Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

24 ساعة تهز تحالف 10 سنوات… اليمن يعيد رسم خطوط النفوذ

ينما كان العالم يتهيأ لطيّ صفحة عام 2025، وجد الشرق الأوسط نفسه أمام هزة عسكرية غير مسبوقة في اليمن، هزة لا تأتي هذه المرة من جبهة الشرعية والحوثيين، بل من قلب التحالف الذي قاد الحرب منذ 2015. فالسعودية، الشريك الأكبر في التحالف العربي، لم توجه ضربتها هذه المرة إلى خصمها المعلن، بل إلى شحنة أسلحة قادمة من الإمارات، في مشهد يختزل تحوّلاً عميقًا في خرائط النفوذ والتحالفات.

سفينتان من الفجيرة… وضربة في المكلا

المعطيات المتداولة تشير إلى أن سفينتين انطلقتا من ميناء الفجيرة الإماراتي، فجر الثلاثاء 30 ديسمبر 2025، ووصلتا إلى ميناء المكلا في حضرموت دون تصاريح رسمية، مع تعطيل أنظمة التتبع وإخفاء بيانات الرحلة، قبل أن تبادر الرياض إلى تنفيذ ضربة جوية دقيقة استهدفت الشحنة داخل الميناء، في سابقة لم تشهدها سنوات الحرب العشر.

لم تكتف السعودية بالرد العسكري، بل تبعه غطاء سياسي مباشر من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، رشاد العليمي، الذي أعلن حالة الطوارئ، وأمهل القوات الإماراتية 24 ساعة لمغادرة الأراضي اليمنية، مع توجيه قوات «درع الوطن» لتسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة.

الانقسام داخل مجلس القيادة الرئاسي بدا هذه المرة علنيًا وحادًا، إذ رفض أربعة أعضاء –يتقدمهم عيدروس الزبيدي وطارق صالح– قرارات العليمي، بينما أيدتها الحكومة اليمنية ومكوّنات سياسية وازنة، وفي مقدمتها حزب الإصلاح، ما أعطى للخلاف بعدًا داخليًا إضافيًا، بعد أن كان يُقرأ فقط في سياق التباين بين العاصمتين الخليجيتين.

حضرموت والمهرة… صراع المشاريع لا صدام اللحظة

التوتر لم يبدأ عند رصيف المكلا، بل يعود إلى سنة 2023 حين تحولت المحافظتان الجنوبيتان إلى مركز تنافس استراتيجي بين رؤيتين متعارضتين:

سيطرة الانتقالي على الأرض في المحافظتين مطلع ديسمبر عبر عملية «المستقبل الواعد» بدت للرياض تجاوزًا للتفاهمات غير المعلنة، ومساسًا مباشرًا بأمنها القومي، قبل أن تتحول «سفن الفجيرة» إلى الشرارة التي نقلت الخلاف من الدهاليز السياسية إلى المواجهة المباشرة.

باب المندب… والظل الإسرائيلي القادم من بربرة

لا يمكن قراءة التصعيد الجديد بمعزل عن التحول الجيوسياسي الأخطر الذي تزامن معه: الاعتراف الإسرائيلي بجمهورية «أرض الصومال» الانفصالية، وما يعنيه ذلك من تموضع جديد على الضفة المقابلة لمضيق باب المندب وخليج عدن، وتحديدًا في ميناء بربرة الذي تديره الإمارات وتُعد فيه اللاعب الأكثر نفوذًا.

الربط بين سيطرة حلفاء أبوظبي على موانئ جنوب اليمن (عدن، المكلا، سقطرى، المخا) وبين الاعتراف الإسرائيلي في القرن الأفريقي، بات يُقرأ في الرياض وعدد من العواصم على أنه محور بحري ناشئ قد يحوّل الممرات الحيوية إلى منطقة نفوذ مركّبة، لا تتحكم فيها السعودية وحدها، ولا حتى اليمن الرسمي.

وتعززت هذه الريبة بما نُشر عن لقاءات جمعت وفدًا من المجلس الانتقالي بمسؤولين إسرائيليين، وبما أوردته صحف عبرية حول دراسة إسرائيل الاعتراف بـكيان انفصالي في جنوب اليمن، كبديل استراتيجي للضغط على الحوثيين من الشرق والغرب، والتحكم في الملاحة نحو البحر الأحمر وبحر العرب.

في هذا السياق، جاء التأكيد السعودي الرسمي على وحدة الصومال وسيادة اليمن، بمثابة رسالة مزدوجة ترفض سياسة البوابات الانفصالية، وتعيد رسم «الخط الأحمر» الجيوسيادي، في لحظة بدأت فيها المنطقة تُدار من المضائق والموانئ، لا من العواصم فقط.

بين سيناريو التهدئة… واحتمال انهيار التحالف

أمام هذا المنعطف، يقف اليمن على مفترق سيناريوهين:

  1. تهدئة عبر وساطة إقليمية تعيد توزيع الأدوار بين الرياض وأبوظبي، مع الحفاظ على هيكل مجلس القيادة الرئاسي هشًا كما هو.

  2. أو انزلاق الجنوب إلى مواجهة مفتوحة بين قوات درع الوطن وحلف القبائل من جهة، والمجلس الانتقالي من جهة ثانية، ما قد يعني عمليًا نهاية التحالف العربي الذي تشكّل سنة 2015، وهو التحالف الذي وُلد أصلًا بطلب رسمي من الرئيس اليمني آنذاك، عبد ربه منصور هادي، لمواجهة زحف الحوثيين نحو عدن.

اليمن… مرآة الصراع لا ساحته الهامشية

ما يجري اليوم في اليمن ليس مجرد أزمة ثقة بين حليفين، بل لحظة كاشفة تعلن أن الجغرافيا انتصرت على الدبلوماسيا، وأن الصراع على النفوذ في المنطقة لم يعد محصورًا بين «الشرعية والتمرد»، بل بين التحالفات ذاتها، وبين من يريد اليمن بوابةً للملاحة، ومن يريده حاجزًا استراتيجيًا للسيادة.

وفي منطقة تُعاد فيها هندسة النفوذ من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي، يعود اليمن مجددًا ليكون مرآة الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط، لا ساحته الهامشية، مرآة تعكس تحوّلات أكبر منه، وأثقل من حربه نفسها.

Exit mobile version