كشف واقع سوق الأدوية في المغرب عن مفارقة لافتة بين توسع شبكة الصيدليات وضعف الاستهلاك الدوائي، حيث لا يتجاوز متوسط ما ينفقه المواطن المغربي على الأدوية نحو 640 درهما سنويا للفرد، في حين تشير المعطيات إلى أن حوالي 30 في المائة من الصيدليات، أي ما يقارب 4000 صيدلية، أصبحت مهددة بالإفلاس نتيجة الضغوط المالية وتراجع مردودية القطاع.
وتبرز أرقام مجلس المنافسة، أن حجم معاملات سوق الأدوية بالمغرب بلغ حوالي 25.9 مليار درهم خلال سنة 2024، منها 13.5 مليار درهم تعود إلى صيدليات التفريق. في المقابل بلغت قيمة واردات الأدوية نحو 10.6 مليارات درهم، بينما لم تتجاوز قيمة الصادرات 1.6 مليار درهم، ما يعكس استمرار اعتماد السوق الوطنية بشكل كبير على الاستيراد.
ويضم القطاع الصيدلاني بالمغرب 56 مؤسسة صناعية صيدلانية إلى جانب 66 شركة لتوزيع الأدوية بالجملة، فيما يصل عدد الصيدليات المنتشرة عبر التراب الوطني إلى 14 ألفا و134 صيدلية، مقابل 14 ألفا و191 صيدليا مسجلا، أي بمعدل صيدلي واحد لكل صيدلية تقريباً.
كما يسجل المغرب كثافة صيدلانية مرتفعة مقارنة بالمعايير الدولية، إذ يصل المعدل إلى نحو 38.4 صيدلية لكل 100 ألف نسمة، أي ما يعادل صيدلية واحدة لكل حوالي 2600 ساكن، في حين توصي المعايير الدولية بأن تكون صيدلية واحدة لكل 5000 نسمة تقريباً.
وقد عرف عدد الصيدليات خلال السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً، حيث ارتفع من 9185 صيدلية سنة 2015 إلى أكثر من 14 ألف صيدلية سنة 2024، وهو ما يمثل زيادة تناهز 54 في المائة في أقل من عشر سنوات.
ويتزامن هذا التوسع مع ارتفاع عدد خريجي كليات الصيدلة، إذ ارتفع عدد الخريجين الجدد من 297 خريجا سنة 2016 إلى حوالي 910 خريجين سنة 2024. وخلال الفترة الممتدة بين 2016 و2024 بلغ مجموع الخريجين حوالي 4676 صيدلانيا، يشكل خريجو الجامعات الأجنبية منهم حوالي 60 في المائة.
غير أن هذا التوسع الكبير في عدد الصيدليات والصيادلة لم ينعكس إيجابا على مردودية القطاع، إذ تشير المعطيات المتوفرة إلى أن 70 في المائة من الصيدليات لا يتجاوز رقم معاملاتها السنوي 1.2 مليون درهم، بينما تحقق 20 في المائة منها معاملات تتراوح بين 1.2 و2.5 مليون درهم. في المقابل لا تتجاوز نسبة الصيدليات التي يفوق رقم معاملاتها 2.5 مليون درهم حوالي 10 في المائة فقط.
كما سجلت ربحية الصيدليات تراجعا خلال السنوات الأخيرة، حيث انخفضت نسبة الأرباح مقارنة برقم المعاملات من 10.3 في المائة سنة 2016 إلى حوالي 8.9 في المائة سنة 2024، في ظل ارتفاع التكاليف التشغيلية وتراجع متوسط رقم معاملات الصيدلية الواحدة.
وتظهر الأرقام أن متوسط رقم معاملات الصيدلية الواحدة تراجع إلى حوالي 950 ألف درهم سنويا، بعدما كان يصل إلى 1.1 مليون درهم سنة 2016. أما متوسط الدخل المهني السنوي للصيدلية فلا يتجاوز في المتوسط 85 ألف درهم.
ويرتبط هذا الوضع بعدد من العوامل البنيوية المرتبطة بطبيعة النموذج الاقتصادي المعتمد في سوق الأدوية بالمغرب، والذي يعتمد أساساً على هامش الربح التجاري المطبق على سعر المصنع، دون احتساب أتعاب خاصة بالخدمات الصيدلانية التي يقدمها الصيدلي، مثل الاستشارة الصحية أو خدمات الوقاية.
وفي المقابل تعتمد عدة دول أنظمة مختلفة لتعويض الصيادلة، حيث يحصل الصيدلي على مقابل مالي إضافي مقابل الخدمات الصحية التي يقدمها للمرضى، وهو ما يعزز مداخيل الصيدليات ويساهم في استدامة نشاطها الاقتصادي.
كما يتميز سوق الأدوية في المغرب بهيمنة الأدوية منخفضة السعر، إذ تمثل الأدوية التي يقل ثمنها دون احتساب الضريبة عن 166 درهما حوالي 99 في المائة من حجم المبيعات وقرابة 80 في المائة من قيمتها الإجمالية. وتتركز في هذه الفئة أيضاً معظم التخفيضات السعرية التي تعتمدها السلطات العمومية بهدف تسهيل ولوج المواطنين إلى العلاج.
وفي المقابل يظل الاستهلاك الدوائي للفرد بالمغرب ضعيفا مقارنة بعدد من الدول الأخرى. فمتوسط الإنفاق السنوي للفرد على الأدوية يبلغ حوالي 640 درهما فقط، مقابل حوالي 1200 درهم في تونس، ونحو 4200 درهم في البرتغال، و5500 درهم في فرنسا، و5000 درهم في بلجيكا، وقرابة 8000 درهم في ألمانيا، إضافة إلى حوالي 6000 درهم في إيطاليا.
ويعكس هذا الفارق الكبير في الاستهلاك عدداً من التحديات المرتبطة بقدرة المواطنين على الولوج إلى الأدوية، فضلاً عن مستوى التغطية الصحية وطرق تمويل العلاج.
ويخضع قطاع الصيدليات في المغرب لنظام تنظيمي خاص يقوم على مبدأ الحصرية المهنية، إذ يمنع على غير الصيادلة امتلاك أو تسيير الصيدليات. كما يتطلب فتح صيدلية جديدة الحصول على ترخيص إداري مسبق، مع احترام مسافة قانونية لا تقل عن 300 متر بين صيدلية وأخرى.
ويشترط النظام التنظيمي كذلك أن يتم تسيير الصيدلية من طرف صيدلي مالك مسجل في الهيئة المهنية المختصة، في إطار قواعد تنظيمية تهدف إلى ضمان جودة الخدمات الصيدلانية المقدمة للمواطنين.
ورغم هذه الضوابط التنظيمية، فإن التحديات الاقتصادية التي يعرفها القطاع تطرح إشكالية استدامة النموذج الاقتصادي للصيدليات، خاصة في ظل ارتفاع عدد الصيدليات وتشتت السوق وضعف الاستهلاك الدوائي للفرد.
كما تبرز المعطيات أن الجمع بين الكثافة الصيدلانية المرتفعة وضعف حجم الاستهلاك الدوائي يضع عدداً متزايداً من الصيدليات أمام ضغوط مالية كبيرة، وهو ما قد يؤدي إلى تعثرها اقتصادياً أو خروجها من السوق إذا لم يتم تطوير النموذج الاقتصادي المعتمد في هذا القطاع.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز النقاش حول مستقبل سوق الأدوية في المغرب، وضرورة إيجاد توازن بين توسيع العرض الصيدلاني وضمان استدامة نشاط الصيدليات، بما يسمح في الوقت نفسه بتحسين ولوج المواطنين إلى العلاج وتعزيز فعالية المنظومة الصحية.

