كشف استطلاع حديث أنجزه “البارومتر العربي” ونشره مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية عن تحوّل لافت في الرأي العام المغربي تجاه الديمقراطية، حيث أبدى 73 في المائة من المغاربة تأييدهم للنظام الديمقراطي، في ارتفاع ملحوظ يعكس تبدّل النظرة الشعبية إلى قيم المشاركة والعدالة والكرامة، ويبرز كذلك تصاعد توقعاتهم من الدولة في ما يتعلق بتلبية الاحتياجات الأساسية وتعزيز الأمن الاقتصادي والاجتماعي.
ويكتسي هذا الارتفاع أهميته بالنظر إلى التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، حيث تتقاطع تطلعات المواطنين مع الحاجة إلى نمط حكم يضمن المساواة وتكافؤ الفرص، ويمنح مساحة أكبر للمحاسبة والشفافية. وقد شمل الاستطلاع الفترة الممتدة بين 2023 و2024، وهو ما يسمح برصد اتجاهات الرأي العام في سياق إقليمي ودولي يعرف تحولات سياسية واقتصادية متسارعة.
و سجّل “البارومتر العربي” زيادة صافية قدرها 19 نقطة مئوية في تأييد المغاربة للديمقراطية مقارنة بنتائج دورة 2021–2022، ما يعكس منحى تصاعدياً واضحاً في الرغبة الشعبية نحو نماذج حكم أكثر انفتاحاً ومؤسسات أكثر فعالية. ويعزو التقرير هذا التحول إلى تغيّر تصور المواطنين لمفهوم الديمقراطية نفسها، حيث لم تعد تُقاس فقط بآليات الاقتراع أو التعددية الحزبية، بل بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة مرتبطة بالكرامة والإنصاف والعيش الكريم.
هذا التغيّر في النظرة العامة يعكس أيضاً تراجع التخوفات المرتبطة بالديمقراطية، خاصة تلك المتعلقة بإمكانية تسببها في تدهور اقتصادي أو اضطراب اجتماعي. فقد سجّل الاستطلاع تراجعاً في نسبة المخاوف من التأثير السلبي للديمقراطية على الاقتصاد بـ 7 نقاط مئوية مقارنة بعام 2022، ما يشير إلى ارتفاع منسوب الثقة في قدرة الأنظمة الديمقراطية على تحسين الظروف المعيشية للمواطنين.
و أظهر التقرير أن مفهومي الديمقراطية والكرامة باتا متلازمين في الوعي الشعبي داخل المغرب وباقي الدول المشمولة بالاستطلاع، إذ يرى المواطنون أن الديمقراطية لا تكتمل إلا من خلال قدرتها على توفير احتياجات أساسية مثل الشغل، والصحة، والتعليم، والسكن، وضمان الأمن المعيشي. ويبرز هذا التوجّه بوضوح في البلدان التي تشهد ضغوطاً اقتصادية أو سياسية حادة، حيث تصبح الأولوية منصبّة على متطلبات الحياة اليومية أكثر من تركيزها على الهياكل الدستورية أو القضايا الحقوقية المجردة.
ويُعدّ هذا الاقتران بين الديمقراطية والكرامة دليلاً على تحول جوهري في طريقة فهم المجتمعات العربية لمفهوم الحكم الجيد، حيث بات معيار النجاح السياسي مرتبطاً بالنتائج الواقعية التي يلمسها المواطن في حياته اليومية، وليس فقط بالشعارات أو الآليات المؤسسية. ويشير التقرير إلى أن المغاربة، شأنهم شأن شعوب المنطقة، يعطون الأولوية لتحسين جودة الحياة وتقوية العدالة الاجتماعية باعتبارهما أساساً لبناء ديمقراطية فاعلة ومستدامة.
لا يقتصر ارتفاع التأييد للديمقراطية على المغرب وحده، إذ سجّلت بقية الدول المشمولة في الاستطلاع نسباً معتبرة، حيث احتلّت الكويت المرتبة الأولى بنسبة تأييد بلغت 85 في المائة، بينما شهدت دول مثل الأردن وتونس ارتفاعات معتدلة مقارنة بدورة 2021. ويبرز هذا التنوع في السياق الإقليمي اختلاف التجارب والظروف السياسية، لكنه يعكس في الوقت ذاته وجود قاسم مشترك يتمثل في رغبة الشعوب العربية في أنظمة أكثر شفافية وعدالة وتوازناً.
ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن أولويات المواطنين تختلف حسب السياق المحلي. ففي الدول التي تعيش ضغوطاً اقتصادية أو سياسية مثل لبنان والعراق وتونس وفلسطين، تحتل قضايا الأمن المعيشي والاحتياجات الأساسية موقع الصدارة، متقدمة على قضايا الحقوق المدنية وسيادة القانون. وفي المقابل، تظهر في دول أخرى تطلعات أكبر نحو إصلاحات سياسية ومؤسساتية أعمق.
و يمثل تسجيل 73 في المائة من التأييد للديمقراطية مؤشراً مهماً في ظل ما يعرفه المغرب من نقاشات حول النموذج التنموي الجديد، وتفعيله لمجموعة من الإصلاحات المرتبطة بالحماية الاجتماعية وتوسيع قاعدة المستفيدين من البرامج الاجتماعية، إضافة إلى إصلاحات اقتصادية وتنظيمية تشمل الاستثمار والتشغيل والتعليم.
ويعكس هذا التأييد رغبة واضحة لدى المغاربة في تعزيز مؤسسات الوساطة السياسية والاجتماعية، وتقوية دور البرلمان والأحزاب والنقابات، بما يتيح فضاءات أكبر للتعبير والمحاسبة. كما يشير إلى تعاظم التوقعات بخصوص جودة الخدمات العمومية، وخاصة في مجالات الصحة والتعليم والنقل، وهي قطاعات تعتبر محرّكاً أساسياً في تقييم المواطنين لأداء الحكومات.
في مقابل ذلك، يكشف التقرير أن جزءاً من الرأي العام المغربي لا يزال ينظر بحذر إلى الأداء الاقتصادي، لكنه أصبح أكثر اقتناعاً بأن الديمقراطية يمكن أن تشكل مدخلاً لتحسين الأوضاع الاقتصادية بدل أن تكون مصدر تهديد لها، وهو ما يعكس تحوّلاً في الوعي الجماعي وبداية تراجع الخطاب الذي يربط الديمقراطية بالاضطراب أو الغموض السياسي.
و يرى الخبراء أن نتائج “البارومتر العربي” تكشف عن لحظة مفصلية في علاقة المواطن المغربي بالشأن السياسي، حيث يبرز استعداد متزايد للمطالبة بنموذج حكم أكثر فعالية، قائم على الاستجابة للحاجات الأساسية، وتوسيع نطاق العدالة الاجتماعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. ورغم أن هذا التأييد لا يعني بالضرورة رضا عاماً عن طبيعة الممارسة السياسية القائمة، فإنه يعكس توجهاً عاماً نحو دعم قيم الديمقراطية كإطار مفضل لتحقيق التغيير.
كما يتوقع أن يسهم هذا التحول في تعزيز الحوار الوطني حول الإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة، خاصة في ظل الديناميات الجديدة التي تشهدها الحياة الحزبية، والانتظارات الشعبية المرتبطة بتقوية أدوار المؤسسات الدستورية. ويشير التقرير كذلك إلى أن الديمقراطية تُعتبر لدى المواطن المغربي وسيلة لتحقيق الكرامة الاجتماعية قبل أن تكون نظاماً سياسياً مجرداً، ما يفرض على الفاعلين السياسيين قراءة هذه الاتجاهات واستثمارها في بناء سياسات عمومية أكثر قرباً من المواطن.
و يكشف “البارومتر العربي” عن صعود قوي في تأييد المغاربة للديمقراطية، وهو صعود يقوم على وعي متزايد بأن الديمقراطية ليست مجرد بنية سياسية، بل منظومة قيمية تعزز الكرامة وتضمن الحقوق الأساسية وترسخ العدالة الاجتماعية. كما يعكس هذا التأييد تطوراً في علاقة المواطن بالدولة، وتزايداً في الرغبة في إصلاحات ملموسة تفتح آفاقاً جديدة للتنمية والاستقرار.
هذه النتائج، في عمقها، تشكل فرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتعزيز الحوار حول مستقبل الحكم في المغرب، في اتجاه نموذج ديمقراطي يحقق النتائج التي ينتظرها المواطن ويضمن شروط الكرامة والعدالة والإنصاف.

