دعا إدريس الأزمي الإدريسي، النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، الحكومة إلى ضمان التنفيذ الفعلي للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، التي رُصد لها غلاف مالي إجمالي يناهز 210 مليارات درهم، من بينها 25 مليار درهم مبرمجة خلال سنة 2027، معتبراً أن التحدي الأساسي لم يعد مرتبطاً بتوفير الموارد المالية، بقدر ما يتعلق بضعف التنزيل الفعلي على المستوى الترابي.
وقال الأزمي، خلال مشاركته في الملتقى الوطني العشرين لشبيبة العدالة والتنمية، الأحد 8 نونبر 2026، إن النهوض بالعالم القروي والمناطق الجبلية يشكل أحد الملفات التي وضعها الحزب ضمن أولوياته خلال الولاية الحالية، في ظل استمرار الفوارق المجالية ونقص الخدمات والمرافق الأساسية في عدد من المناطق، رغم البرامج والمبادرات التي أُطلقت خلال السنوات الماضية، من بينها صندوق تنمية العالم القروي وصندوق التنمية الفلاحية.
واعتبر القيادي في الحزب أن الحكومة توجد أمام «فرصة تاريخية» لمعالجة الاختلالات التي تعاني منها المناطق القروية والجبلية، مؤكداً أن موقف حزبه لا يستهدف منافسة الحكومة في هذا الورش، وإنما الحرص على إنجاحه وتحقيق الأهداف المعلنة بشأنه.
وفي هذا الإطار، تساءل الأزمي عن أسباب عدم الاستفادة من المنهجية المعتمدة في إنجاز مشاريع التأهيل والاستثمار العمومي بمدن مثل الرباط وطنجة، داعياً إلى استلهام التجارب التي شهدتها هذه المدن وتسخيرها لتسريع وتيرة التنمية في المناطق القروية والجبلية.
وأعلن أن حزبه سيواكب تنفيذ برامج التنمية الترابية المندمجة، من خلال تنظيم لقاء سنوي واحد على الأقل لتقييم مستوى تقدمها، مشدداً على أن الاعتمادات المالية المرصودة متوفرة، وأن مظاهر الخصاص والاحتياجات المحلية باتت معروفة، فيما يظل التحدي مرتبطاً بفعالية التنفيذ والتتبع على مستوى الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات الترابية.
وفي المقابل، سجل الأزمي ملاحظات بشأن طريقة إعداد بعض البرامج، معتبراً أن المشاورات التي سبقت صياغتها لم تكن بالاتساع المطلوب، وأن بعض الجهات اعتمدت، بحسب تعبيره، مقاربة «صورية وشكلية»، قد لا تتيح الوقوف بدقة على الاحتياجات الحقيقية للسكان.
الأزمي ينتقد توزيع التخفيضات الضريبية على الدخل
وفي الشق المتعلق بالسياسة الجبائية، انتقد الأزمي طريقة توزيع الاستفادة من التخفيض الضريبي على الدخل، معتبراً أن المعطيات التي عرضتها الحكومة تكشف عن تفاوت بين الفئات المستفيدة، إذ لا تتجاوز التخفيضات الموجهة لبعض أصحاب الدخول المحدودة 36 درهماً، مقابل مبالغ تصل إلى 4 آلاف درهم بالنسبة إلى الفئات ذات الدخول المرتفعة.
ووصف الأزمي الجدول المعتمد بأنه «مقلوب على رأسه»، قائلاً إن حزبه نبه الحكومة إلى ضرورة إعادة النظر في توزيع المكاسب الضريبية بما يراعي مبدأ العدالة، دون الإخلال بالتوازنات المالية للدولة.
وأضاف أن وزير الاقتصاد والمالية أقر، خلال المناقشات، بوجود اختلال في توزيع الاستفادة، مشيراً إلى توجه الحكومة نحو معالجة وضعية الفئات ذات الدخل المحدود في إطار الحوار الاجتماعي.
وفي المقابل، دافع الأزمي عن الإصلاحات الجبائية التي أُنجزت خلال تولي حزبه المسؤولية الحكومية، مستحضراً القانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي، الذي قال إنه ساهم في رفع مداخيل الضريبة على الشركات بنسبة 32 في المائة.
كما دافع عن إصلاح نظام المقاصة، معتبراً أنه جنب ميزانية الدولة تحمل أعباء مالية إضافية، ومشيراً إلى أن استمرار العمل بالنظام السابق، في ظل مستويات أسعار النفط الحالية، كان سيكلف الميزانية نحو 120 مليار درهم، وفق تقديره، مقابل 195 مليار درهم مخصصة لأجور الموظفين خلال سنة 2027.
مطالب بضمان الشفافية في استثمارات كأس العالم
وبخصوص الاستثمارات المرتبطة بتنظيم كأس العالم، شدد الأزمي على ضرورة إخضاع المشاريع المرتبطة بهذا الحدث لمعايير الشفافية وتكافؤ الفرص، بما يضمن توسيع دائرة استفادة المقاولات المغربية من الصفقات والاستثمارات العمومية.
وحذر من تركيز المشاريع في يد مقاولة أو مقاولتين، أو استفادة جهات تتمتع بالنفوذ من عائداتها، معتبراً أن الاستثمارات المرتبطة بالمونديال ينبغي أن تشكل فرصة لتعزيز النسيج الاقتصادي الوطني وتوسيع قاعدة المقاولات المستفيدة.
كما دعا إلى عدم حصر العائدات الاقتصادية لهذه الاستثمارات في المدن المستضيفة للمباريات، والعمل على توزيع آثارها التنموية على مختلف جهات المملكة.
انتقادات لتمويل الجهات وغياب اعتمادات خاصة بالأشخاص في وضعية إعاقة
وفي ما يتعلق بالتمويل المخصص للجهات، انتقد الأزمي تقديم الحكومة رفع الموارد المالية المرصودة لها إلى 12 مليار درهم باعتباره إنجازاً، موضحاً أن هذا المستوى من التمويل منصوص عليه في القانون التنظيمي للجهات.
واعتبر أن احتساب الموارد الناتجة عن حصص الجهات من الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل والرسم على عقود التأمين، يظهر، بحسب قراءته للأرقام، أن الزيادة التي أقرتها الحكومة من الميزانية العامة تظل أقل من الزيادات المسجلة خلال سنوات 2020 و2021 و2022.
كما أثار مسألة غياب اعتمادات مالية ملموسة موجهة للأشخاص في وضعية إعاقة، معتبراً أن هذا الخصاص يستدعي المعالجة، بالنظر إلى الأعباء الاجتماعية والاقتصادية التي تتحملها الأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود والمتوسط.
وشدد في هذا السياق على ضرورة الانتقال من التركيز على المؤشرات الاقتصادية الكلية إلى تقييم الأثر المباشر للإنفاق العمومي على حياة المواطنين، ولا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والتشغيل، إلى جانب تحقيق العدالة المجالية.
دعوة إلى انفراج سياسي وإصلاح قطاع التعاضديات
وعلى المستوى السياسي، جدد الأزمي تأكيد موقف حزب العدالة والتنمية الداعي إلى إحداث انفراج سياسي، من خلال إطلاق سراح المعتقلين على خلفية الاحتجاجات الاجتماعية واحتجاجات شباب «جيل زد»، إلى جانب النقيب محمد زيان، معتبراً أن هذه الخطوة من شأنها الإسهام في تعزيز التعبئة الوطنية.
وفي ما يخص القطاع الصحي، أعلن أن حزبه سيواصل إثارة قضايا المنظومة الصحية مع وزارة الصحة، داعياً إلى إخراج قانون إطار خاص بالتعاضديات، يضع قواعد أكثر وضوحاً للشفافية في التدبير الإداري والمالي.
واتهم الأزمي ما وصفه بـ«اللوبيات» بالوقوف وراء عرقلة هذا المشروع على مستوى مجلس المستشارين، مؤكداً عزم حزبه إعادة تحريك النقاش بشأنه.
أما بخصوص الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، فأشار إلى أن البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية، الذي يتضمن 467 إجراء، خصص عدداً من التدابير لهذه المجالات، ولا سيما الإجراءات 177 و380 و381، بهدف إدماجها في منظومة التكوين المهني.
وتعكس مواقف الأزمي، كما عرضها خلال الملتقى، تعدد الملفات التي يعتزم الحزب مواكبتها ومساءلة الحكومة بشأنها، من التنمية الترابية والعدالة الجبائية إلى تدبير الاستثمارات العمومية والإصلاحات الاجتماعية والسياسية






