حسن حمورو
لا يبدو بلاغ الديوان الملكي بشأن استقبال جلالة الملك للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة، يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، مجرد إخبار بروتوكولي عن لقاء في سياق تشكيل الحكومة، بقدر ما يحمل رسائل سياسية ومؤسساتية تستحق التأمل.
فالإعلان عن الاستقبال وتأطيره ببلاغ يتضمن إشارات صريحة إلى متطلبات المرحلة المقبلة، ويشير للصلاحيات الدستورية للملك، يشكل سابقة، على الأقل من حيث الإخراج التواصلي والإعلان الرسمي عن اللقاء، إذ لم يثبت وجود نظائر مماثلة في محطات سابقة في ظل دستور 2011، سواء مع عبد الإله بنكيران او مع سعد الدين العثماني او مع عزيز أخنوش.
وهو ما يمنح البلاغ أهمية تتجاوز الإخبار إلى التواصل مع الرأي العام الوطني بشأن مسار تشكيل الحكومة، من الجانب الذي يدخل ضمن الاختصاصات الدستورية للمؤسسة الملكية.
أولى الإشارات التي تستوقف المتتبع، قول البلاغ إن الملك أعرب لرئيسة الحكومة المكلفة عن متمنياته لها بالتوفيق والنجاح في مهمتها، ورغم أن العبارة تندرج ظاهريا ضمن الصيغ المألوفة في الخطاب الرسمي، فإن ورودها في هذا السياق يذكّر بأن النجاح لا يزال غاية منتظرة، وأن مهمة تشكيل الحكومة لا يتم تقييمها بمجرد تقديم مقترح، أو استكمال التفاوض بشأن توزيع الحقائب، وإنما بمدى القدرة على إفراز صيغة تستجيب لمتطلبات المرحلة، وقد يُقرأ في ذلك تلميح إلى أن المهمة لم تبلغ بعد غايتها، لكن الإنصاف يقتضي التأكيد أن البلاغ لا يعلن صراحة فشل رئيسة الحكومة المكلفة، بل يضع النجاح باعتباره المعيار الذي ينبغي أن تنتهي إليه المهمة.
وتزداد دلالة البلاغ وضوحا حين يشير إلى ما تتطلبه المرحلة المقبلة من “تعبئة شاملة، وأداء حكومي جاد ومسؤول”، استحضارا لحجم الرهانات والتحديات والانتظارات، فهذه العبارة تتجاوز التذكير العام بالمسؤولية، إلى التأكيد على أن الحكومة المقبلة مطالبة بأن تكون في مستوى اللحظة السياسية والاجتماعية، وأن تتجاوز منطق الترضيات والحسابات الحزبية الضيقة، نحو منطق الانسجام والفعالية والإنجاز، ومن ثم يمكن فهم هذا التشديد باعتباره وضعا لمعيار واضح أمام عملية التشكيل، مفاده أن التوافق على الأسماء والحقائب لا يكفي، ما لم ينتج حكومة قادرة على التعبئة وتحمل المسؤولية والاستجابة لانتظارات المواطنين.
أما تأكيد الديوان الملكي أن الاستقبال يندرج في إطار الصلاحيات الدستورية للملك، وحرصه على ضمان حسن سير المؤسسات الدستورية، فيضع مسار تشكيل الحكومة ضمن إطاره المؤسساتي، ويذكّر بأن الأمر لا يتعلق بمجرد تفاوض حزبي على مواقع وحقائب حكومية، بل بمسؤولية دستورية تقتضي أن تفضي إلى حكومة قادرة على ممارسة اختصاصاتها بفعالية وانسجام، فالفصل 47 من الدستور يؤطر تعيين رئيس الحكومة وأعضاء الحكومة، ويحدد بذلك الإطار الذي ينبغي أن ينتظم داخله هذا المسار، لذلك يُستشف من إبراز مسألة حسن سير المؤسسات، تنبيه إلى أهمية تجنب أي صيغة قد تعرقل الفعالية الحكومية، غير أن القول إن المقترح المتداول يهدد فعلا سير المؤسسات، يتجاوز ما يعلنه بلاغ الديوان الملكي صراحة.
وبهذا المعنى، يمكن قراءة الاستقبال الملكي باعتباره نقطة نظام على مسار تشكيل الحكومة، فهو يذكّر بأن العملية ليست غاية في ذاتها، وأن النجاح لا يُقاس بسرعة التشكيل ولا بالتوازنات الحزبية التي تفرزه، بل بمدى القدرة على تشكيل حكومة منسجمة وجادة ومسؤولة، تحترم الإطار الدستوري وتستجيب لرهانات المرحلة، كما أن التواصل بشأن هذا المسار يضع الرأي العام أمام معايير واضحة يمكن الاحتكام إليها في تقييم مخرجاته، وبطبيعة الحال دون الحاجة إلى تحميل البلاغ أحكاما لا يتضمنها صراحة.
والخلاصة أن الرسالة الأبرز في بلاغ الديوان الملكي تكمن في الربط بين مسؤولية التشكيل ومتطلبات الأداء وحسن سير المؤسسات، وبين ما تقوله العبارات الواردة فيه صراحة، وما تتيحه من تأويل سياسي، يظل المعيار الحاسم هو قدرة الحكومة المقبلة على تحويل التوافقات إلى إنجازات، والوعود إلى نتائج، والمسؤولية الدستورية إلى أداء فعلي يستجيب لانتظارات المغاربة، لأن التحدي ليس في أن تتشكل الحكومة فحسب، بل أن تنجح في أداء وظيفتها السياسية والتدبيرية.







