تتواصل تداعيات الجدل حول الرسوم المفروضة على الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة دراستهم الجامعية بنظام «التوقيت الميسر»، في ظل تمسك وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار باستمرار العمل بالتعريفة المعتمدة، مقابل تصاعد مطالب المحتجين بإلغاء هذه الرسوم وضمان حقهم في استكمال مسارهم الأكاديمي دون قيود مالية.
وفي الوقت الذي يدافع فيه وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، عن هذا النظام باعتباره آلية لتنظيم التكوين الجامعي وتوفير ظروف ملائمة للموظفين والأجراء، تتزايد الانتقادات بشأن الكلفة المالية التي تفرضها الجامعات العمومية على هذه الفئة، خصوصا في مسالك الماستر والدكتوراه، حيث تصل الرسوم إلى 20 ألف درهم سنويا في بعض التكوينات.
ويتركز الخلاف حول قيمة الرسوم السنوية المفروضة على التكوينات الجامعية بنظام التوقيت الميسر، إذ تبلغ 5000 درهم في سلك الإجازة، و15 ألف درهم في سلك الماستر، فيما تصل إلى 20 ألف درهم سنويا خلال السنوات الأربع الأولى من سلك الدكتوراه.
وبذلك، قد تصل الكلفة الإجمالية لمتابعة الدكتوراه إلى 80 ألف درهم خلال أربع سنوات، وهو مبلغ يثير مخاوف الموظفين والأجراء بشأن قدرتهم على مواصلة الدراسة، في ظل التزاماتهم المهنية والأسرية ومصاريف التنقل واقتناء الكتب والمراجع.
وأمام هذه الأعباء، نظمت التنسيقية الوطنية للطلبة الموظفين والأجراء وقفات احتجاجية أمام البرلمان بالرباط، إلى جانب تحركات داخل عدد من المؤسسات الجامعية، من بينها جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، حيث شهد المركب الجامعي ظهر المهراز احتجاجات رافضة للرسوم المفروضة على التسجيل في مسالك التوقيت الميسر.
ويطالب المحتجون بتجميد العمل بالمادة 81 من القانون المنظم للتعليم العالي، والعودة إلى مبدأ مجانية التعليم العمومي، مع تمكين الموظفين والأجراء الناجحين في مباريات الولوج إلى التكوينات الجامعية من التسجيل ومتابعة دراستهم دون رسوم يعتبرونها عائقا أمام تكافؤ الفرص.
كما تدعو التنسيقية إلى تمديد آجال التسجيل وإعادة التسجيل، ومعالجة الحالات التي تعذر عليها استكمال الإجراءات الإدارية، تفاديا لحرمان طلبة من متابعة مسارهم الجامعي بسبب صعوبات مالية أو إكراهات مرتبطة بالتسجيل.
في المقابل، يستند المدافعون عن استمرار هذه الرسوم إلى طبيعة التكوين بالتوقيت الميسر، الذي يتطلب تعبئة موارد بشرية وتنظيمية إضافية، بالنظر إلى برمجة الدروس خلال الفترات المسائية وعطلات نهاية الأسبوع، بما يسمح للموظفين والأجراء بالتوفيق بين العمل والدراسة.
ويطرح هذا التبرير مسألة تمويل التكوينات الجامعية ومدى قدرة المؤسسات الجامعية على تغطية تكاليفها، في مقابل مسؤولية الدولة والجامعات عن ضمان الولوج إلى التعليم العالي وفق شروط تراعي مبدأ تكافؤ الفرص.
ويستحضر المدافعون عن هذا النظام أيضا تكاليف مرتفعة كانت مرتبطة ببعض التكوينات السابقة، معتبرين أن المسارات الجامعية الحالية تتيح الحصول على دبلومات معترف بها بكلفة أقل، مع مراعاة ظروف العاملين.
وتشير المعطيات المتداولة بشأن هذا النظام إلى أن عدد الموظفين والأجراء المسجلين في هذه التكوينات بلغ نحو 25 ألف طالب خلال الموسم الجامعي الماضي، مع توقع تجاوز 30 ألف مسجل خلال الموسم الحالي.
كما ساهم نظام التوقيت الميسر، وفق المعطيات نفسها، في تخفيف الاكتظاظ داخل المؤسسات الجامعية، خاصة ذات الاستقطاب المفتوح، بنسبة قاربت 30 في المائة، من خلال فصل التكوينات الموجهة إلى الموظفين والأجراء عن المسارات الجامعية العادية.
غير أن هذه المعطيات لا تبدد، بالنسبة إلى المحتجين، المخاوف المرتبطة بارتفاع الرسوم، ولا تجيب عن التساؤلات بشأن مدى تناسبها مع القدرة الشرائية للموظفين والأجراء، خصوصا أن متابعة الدراسة تتطلب تحمل مصاريف إضافية لا تقتصر على التسجيل وحده.
ويعيد هذا الملف النقاش حول حدود مجانية التعليم العالي وعلاقة استقلالية الجامعات بمسؤولية الدولة في ضمان الولوج المنصف إلى التكوينات الجامعية. ففي الوقت الذي تعتبر فيه المؤسسات الجامعية أن الرسوم تساهم في تغطية تكاليف التكوين، يرى المحتجون أنها قد تحول الوضعية المالية إلى معيار غير معلن للانتقاء بين الراغبين في استكمال دراستهم.
ويضع هذا الوضع وزارة التعليم العالي ورؤساء الجامعات أمام تحدي إيجاد صيغة توازن بين حاجيات تمويل التكوينات الجامعية وضمان حق الموظفين والأجراء في متابعة الدراسة، دون أن تتحول الرسوم إلى حاجز أمام تطوير مؤهلاتهم العلمية والمهنية.
وفي انتظار حل ينهي الخلاف، يستمر التباعد بين الموقف الداعي إلى الإبقاء على الرسوم استنادا إلى استقلالية الجامعات في تحديد التعريفة، ومطالب التنسيقية الوطنية التي تدعو إلى إلغائها وضمان مجانية التعليم العمومي. وهو ما يجعل أزمة التوقيت الميسر اختبارا لسياسة التعليم العالي ومدى قدرتها على التوفيق بين متطلبات التمويل ومبادئ تكافؤ الفرص والعدالة في الولوج إلى المعرفة.








