تفجرت من جديد أسئلة حول مدى تفاعل الحكومة مع الرقابة البرلمانية، بعد صدور تقارير رقابية وتصريحات رسمية كشفت فجوات واسعة بين حجم الأسئلة التي يطرحها ممثلو الأمة، وبين درجة تجاوب الجهاز التنفيذي معها. ومع أن الحكومة تتحدث بلغة الأرقام لتأكيد حضورها وتفاعلها، فإن أصوات المعارضة وفعاليات مدنية ترى في تلك الأرقام “واجهة تقنية” تخفي ضعفًا في المضامين، وتأخرًا في الأجوبة، وتهميشًا لعدد من القضايا الحساسة التي تشغل الرأي العام.
و أحدث تقارير جمعية سمسم-مشاركة مواطنة كشف بوضوح أن قطاع الصحة يستأثر بالنصيب الأكبر من أسئلة البرلمانيين خلال الولاية التشريعية الحالية (2021-2026)، بحصيلة بلغت 4113 سؤالًا من أصل قرابة 40 ألف سؤال كتابي وشفوي. هذا الحضور الكثيف يعكس، بحسب التقرير، الوزن السياسي والاجتماعي للقطاع الصحي في ظل تعثرات مستمرة تصاحب إصلاح المنظومة الصحية بمختلف مستوياتها.
ورغم هذا الزخم الرقابي، لم تجب وزارة الصحة سوى عن 1736 سؤالًا، أي بنسبة 42% فقط، وهو رقم اعتبرته الجمعية مؤشرًا واضحًا على ضعف تجاوب الحكومة في هذا الملف الحيوي، خصوصًا أن قضايا الصحة أصبحت تمثل “هاجسًا يوميًا” للمواطن، سواء تعلق الأمر بضعف الموارد البشرية، أو تعثر البنيات الاستشفائية، أو ارتفاع كلفة العلاج والدواء.
ورغم أن الفرق البرلمانية كثّفت إحاطاتها وأسئلتها حول هذه القضايا، إلا أن المعارضة ترى أن الحكومة تلتزم “صمتًا رسميًا” إزاء الأسئلة الأكثر إلحاحًا، خصوصًا تلك المتعلقة بالأزمات المستمرة في المستشفيات العمومية وتوطئة الإصلاحات المرتقبة ضمن ورش تعميم الحماية الاجتماعية.
و شهد قطاع الصحة انتقاد البرلمانيين، كما ان أسئلة التعليم هي الأخرى تعرف تراكمًا كبيرًا في ظل احتجاجات متواصلة لأطر القطاع، وتعثرات رافقت تنزيل النظام الأساسي الجديد، ناهيك عن نقاش جودة المناهج، واكتظاظ الأقسام، ومستقبل المدرسة العمومية.
مصادر برلمانية أكدت أن عددًا كبيرًا من الأسئلة المرتبطة بقطاع التعليم “لا يصل إلى مرحلة الجواب” إلا بعد مرور أشهر طويلة، وأحيانًا بعد انتهاء سياق الإشكال الذي طُرح حوله السؤال. أما في قطاع التشغيل، فتزيد البطالة واحتجاجات فئات واسعة من الشباب من حجم الأسئلة التي تطرحها الفرق البرلمانية، غير أن الجواب الحكومي يبقى، وفق تصريحات معارضة، “مقتضبًا ومكرورًا”، ولا يلامس جوهر الإشكالات الهيكلية التي يعانيها سوق الشغل
في مقابل هذا الزخم من الانتقادات، خرج الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان، مصطفى بايتاس، ليقدّم قراءة حكومية مغايرة للوضع، مؤكدًا أن الحكومة الحالية تُعدّ “الأكثر تفاعلًا” مع أسئلة البرلمانيين مقارنة بالولايات السابقة.
وقال بايتاس إن الحكومة تلقت، منذ أكتوبر 2021، أزيد من 33 ألف سؤال كتابي، أجابت عن 23 ألفًا منها، بنسبة 70%. ووفق المسؤول الحكومي، فإن مجلس النواب وحده أحال على الحكومة 24 ألفًا و837 سؤالًا، أجيب عن 17 ألفًا منها، في حين وجّه مجلس المستشارين 8082 سؤالًا، تم الجواب عن 5782.
وبلغة الأرقام دائمًا، شدد الوزير على أن البرلمان الحالي يُعدّ “الأكثر طرحًا للأسئلة” مقارنة بالولايتين التاسعة والعاشرة، وأن الحكومة الحالية أجابت، لوحدها، عن عدد من الأسئلة يفوق مجمل ما طُرح في الولايتين السابقتين، الأمر الذي اعتبره دليلًا على “فعالية الحكومة وتفاعلها المسؤول”.
غير أن المعارضة ردّت على الأرقام الحكومية باعتبارها “جمودًا تقنيًا لا يعكس حقيقتها السياسية”، وفق تعبير أحد النواب، معتبرة أن الحكومة تتحاشى الأسئلة المحرجة، خاصة تلك المتعلقة بالتدبير اليومي للقطاعات الاجتماعية، وتكتفي بالإجابة عن الأسئلة ذات الطابع العام أو التقني غير المرتبط بسياقات اجتماعية ملتهبة.
جودة الأجوبة… إشكال يتكرر
في تعقيبها على عرض الوزير، شددت البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة، حورية ديدي، على أن الإشكال لا يتعلق فقط بنسبة الأجوبة، بل بجودتها أيضًا، معتبرة أن عددًا من الأجوبة التي تتوصل بها الفرق البرلمانية “غير دقيقة ولا تتضمن معطيات ميدانية أو حلولًا واقعية”.
وأوضحت ديدي أن الأسئلة الكتابية يجب أن تلامس انشغالات المواطنين في وقتها المناسب، وأن الحكومة مطالبة بإرساء آليات مؤسساتية صارمة تحترم الآجال الزمنية، حتى لا يتحول الجواب البرلماني إلى “مجرد ورقة إدارية فقدت صلاحيتها”.
كما دعت إلى تقديم أجوبة دقيقة وذات جودة، تُظهر جدية الحكومة في التعامل مع مطالب ممثلي الأمة، وتُعيد الاعتبار للبرلمان كفضاء رقابي دستوري.
من جانبها، اعتبرت فعاليات مدنية أن الأرقام التي كشفتها جمعية سمسم حول الأسئلة الموجهة لوزارة الصحة، أو تلك التي أعلن عنها الوزير بايتاس، تُبرز نشاطًا رقابيًا مهمًا داخل البرلمان، لكنها تكشف في المقابل اختلالًا في العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، خاصة حين يتعلق الأمر بالقطاعات الاجتماعية الأكثر حساسية.
ففي الوقت الذي يرتفع فيه منسوب الأسئلة حول الصحة والتعليم والتشغيل، تبدو الحكومة أقل حماسًا في تقديم أجوبة فورية ودقيقة، وهو ما يسجله الرأي العام الذي ينتظر حلولًا ملموسة بدل الصيغ التقنية والأرقام المجردة.
داخل قبة البرلمان، تتعالى أصوات معارضة تتهم الحكومة بـ“التنصل من الرقابة التشريعية”، معتبرة أن “حكومة أخنوش تلتجئ للصمت كلما تعلق الأمر بملفات حساسة”، وأنها تعتمد إستراتيجية انتقائية في الجواب تجعل عددًا من الأسئلة “مُهملًا أو مؤجلًا بلا مبرر”.
وتشير المعارضة إلى أن الأسئلة المتعلقة بارتفاع الأسعار، أزمة المنظومة الصحية، وضعية المدرسة العمومية، تشنجات الحوار الاجتماعي، وملف بطالة الشباب، تبقى “الأسئلة التي تخرس الحكومة”، على حد تعبير أحد البرلمانيين، بينما تفضّل الحكومة التفاعل مع أسئلة ذات طابع تقني أو إداري.
و يتضح أن الإشكال لم يعد مرتبطًا بحجم الأسئلة التي تُطرح داخل البرلمان، بل بمدى تأثير تلك الأسئلة على السياسات العمومية، وقدرة الحكومة على ترجمة الملاحظات والانتقادات إلى حلول ومبادرات واقعية.
وبين خطاب حكومي مطمئن يقوم على لغة الأرقام، وبين خطاب معارض ينتقد “التجاهل والتأخر ونقص الجودة”، يبقى المواطن المغربي عالقًا بين دفتي مؤسستين دستوريتين، ينتظر أن يتحول النقاش البرلماني إلى إجابات عملية، وأن تتحول الأسئلة الصامتة إلى حلول تتجاوب مع متطلبات الحياة اليومية.









































