انتقدت الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة مضامين مشروع قانون المالية لسنة 2027، معتبرة أن التدابير الواردة فيه، رغم ما تتضمنه من توجهات إيجابية، لا ترقى إلى مستوى التحديات اليومية التي تواجهها المقاولات الصغيرة، خصوصاً في مجالات التمويل والضرائب وآجال الأداء والولوج إلى الصفقات العمومية.
وأفادت الكونفدرالية، في بلاغ لها، بأن تقييمها للمشروع أظهر استجابة جزئية لسبعة من أصل 13 مطلباً سبق أن تقدمت بها، مقابل ستة مطالب لم تحظ باستجابة واضحة، فيما لم تتم الاستجابة الكاملة لأي مطلب وفق معايير محددة بالأرقام ومؤشرات قابلة للقياس.
وأوضحت الهيئة المهنية أن هذا التقييم استند إلى مقارنة مشروع قانون المالية رقم 60.26، المعروض على البرلمان في 23 أكتوبر الجاري، بمذكرة الأولويات التي وجهتها إلى الأحزاب السياسية في 9 شتنبر الماضي. وشددت على أن التوجهات الحكومية المعلنة تظل غير كافية ما لم تترجم إلى حقوق فعلية وإجراءات تنفيذية واضحة لفائدة المقاولات.
إفلاس أكثر من 150 ألف مقاولة خلال أربع سنوات
وحذرت الكونفدرالية من تراجع وضعية النسيج المقاولاتي الوطني، مشيرة إلى أن أكثر من 150 ألف مقاولة أعلنت إفلاسها خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025، تشكل المقاولات الصغيرة جداً أكثر من 99 في المائة منها، وفق المعطيات التي أوردتها.
واعتبرت أن هذه الأرقام تعكس حجم الصعوبات التي تواجهها المقاولات الصغيرة، مقدرة أن وتيرة الإفلاس تعادل إغلاق مقاولة صغيرة جداً كل عشر دقائق. ودعت، في هذا السياق، إلى إعادة تقييم الأثر الفعلي للسياسات الضريبية على استمرارية المقاولات والاستثمار المنتج والحفاظ على مناصب الشغل.
وطالبت الهيئة بخفض الضريبة على الشركات بالنسبة إلى المقاولات الصغيرة جداً المعنية من 20 إلى 10 في المائة، موضحة أن الإصلاح الضريبي التدريجي الذي انطلق سنة 2023 أدى إلى رفع النسبة من 10 إلى 20 في المائة، قبل بلوغ مستواها الكامل سنة 2026، دون أن يتضمن مشروع مالية 2027 تدبيراً يعيد العمل بالنسبة السابقة.
الدعوة إلى إحداث بنك عمومي لتمويل المقاولات الصغيرة
وفي ما يتعلق بالتمويل، اعتبرت الكونفدرالية أن الإجراءات المرتبطة بتوفير قروض ملائمة وضمانات مبسطة وإحداث نظام وطني للتنقيط لا تكفي، في نظرها، لمعالجة الصعوبات التي تواجهها المقاولات الصغيرة جداً في الحصول على التمويلات البنكية.
وأشارت إلى أن البنوك التجارية التقليدية لا تبدي، بحسب تقييمها، استعداداً كافياً لتمويل هذه الفئة، مطالبة بإحداث بنك عمومي متخصص في تمويل المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة والمقاولين الذاتيين، إلى جانب إخضاع آليات التمويل القائمة لتقييم مستقل.
كما دعت إلى تبسيط مساطر الاستفادة من الدعم العمومي، وتعزيز المواكبة على المستوى المحلي، واعتماد آليات لتمويل الطلبيات والفواتير، بما يتيح للمقاولات تنفيذ الصفقات دون تعريض سيولتها المالية لمخاطر إضافية.
تحذيرات من الاقتطاع الضريبي وتأخر المستحقات
وبخصوص الضريبة على القيمة المضافة، نبهت الكونفدرالية إلى ما قد يترتب عن الاقتطاع من المنبع من ضغوط على خزينة المقاولات الصغيرة، موضحة أن نسبة الاقتطاع قد تصل، في بعض الخدمات، إلى 75 في المائة من مبلغ الضريبة عند الإدلاء بشهادة الانتظام الضريبي، وإلى 100 في المائة في حال عدم الإدلاء بها.
وقالت الهيئة إنها توصلت بشكايات من مقاولات صغيرة بشأن اقتطاعات وصفتها بالمبالغ فيها أو الخاطئة، تطبقها بعض الجهات الزبونة الكبرى، وهو ما يؤدي، بحسبها، إلى تجميد مبالغ تحتاج إليها هذه المقاولات لتغطية الأجور ومستحقات الموردين والمصاريف الجارية.
وطالبت بإلغاء الاقتطاع من المنبع بالنسبة إلى المقاولات الصغيرة جداً والصغرى التي تثبت انتظام وضعيتها الضريبية، مع اعتماد مسطرة رقمية وسريعة لاسترجاع المبالغ في الحالات الأخرى، وتحديد آجال ملزمة لمعالجة طلبات الاسترداد.
وفي ملف آجال الأداء، دعت الكونفدرالية إلى تحديد أجل أقصى لا يتجاوز 30 يوماً لتسديد مستحقات المقاولات، مع إقرار عقوبات رادعة أو فوائد عن التأخير، ونشر معطيات دورية بشأن مدى احترام المشترين العموميين لهذه الآجال.
كما انتقدت غياب آليات تنفيذية واضحة لضمان استفادة المقاولات الصغيرة من الحصة المخصصة لها، والمحددة في 30 في المائة من الصفقات العمومية. وأشارت إلى أن هذه النسبة منصوص عليها في التنظيم الصادر بموجب مرسوم سنة 2023، غير أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يتضمن، وفق تقييمها، جدولاً زمنياً واضحاً أو آليات للمراقبة والتحقق من احترامها.
ودعت، في هذا الإطار، إلى نشر حصيلة سنوية مفصلة للصفقات الممنوحة للمقاولات الصغيرة، تشمل قيمتها وعددها وتوزيعها الجغرافي وآجال أدائها، فضلاً عن تقسيم الصفقات الكبرى إلى حصص تتناسب مع قدرات هذه المقاولات.
مطالب بمراجعة النظام الضريبي للمقاولين الذاتيين
وشملت مطالب الكونفدرالية مراجعة النظام الجبائي للمقاولين الذاتيين، من خلال رفع السقف السنوي لرقم المعاملات من 500 ألف إلى مليون درهم بالنسبة إلى الأنشطة التجارية والصناعية والحرفية، ومن 200 ألف إلى 500 ألف درهم بالنسبة إلى أنشطة الخدمات.
كما طالبت بمراجعة سقف 80 ألف درهم من رقم المعاملات المحقق مع الزبون نفسه بالنسبة إلى مقدمي الخدمات، منتقدة إخضاع الجزء الذي يتجاوز هذا السقف لضريبة بنسبة 30 في المائة، عوض 1 في المائة، معتبرة أن هذا المقتضى يحد من فرص توسع أنشطة المقاولين الذاتيين.
وسجلت الهيئة، في المقابل، غياب التزامات محددة وقابلة للقياس بشأن رقمنة المقاولات الصغيرة واستخدام الذكاء الاصطناعي، ودعم المقاولات المصدرة وريادة الأعمال النسائية، إلى جانب تعزيز المواكبة الترابية للمقاولات الصغرى.
52 ألف حالة إفلاس خلال 2025
وفي معرض تقييمها لوضعية النسيج المقاولاتي، أوردت الكونفدرالية أن سنة 2025 شهدت تسجيل 52 ألف حالة إفلاس، شملت أشخاصاً اعتباريين وذاتيّين، وفق المعطيات التي اعتمدتها.
وشددت على أن النقاش بشأن مشروع قانون المالية ينبغي ألا يقتصر على الإعلان عن تخفيضات ضريبية أو تدابير جديدة، بل يتعين أن يمتد إلى قياس النتائج الفعلية، من خلال تحديد عدد المقاولات المستفيدة من التمويل والدعم العمومي، وعدد المقاولات التي تمكنت من الحصول على صفقات عمومية، ومدى احترام آجال الأداء، فضلاً عن قدرتها على الاستمرار والحفاظ على مناصب الشغل وإحداث فرص عمل جديدة.
وأكدت الكونفدرالية، في ختام بلاغها، مواصلة الحوار مع الحكومة الجديدة والفرق البرلمانية والمؤسسات المعنية، بهدف الدفع نحو إدراج تدابير ممولة وقابلة للتنفيذ والتقييم خلال المناقشة البرلمانية لمشروع قانون المالية لسنة 2027








