أسدل الاتحاد الأردني لكرة القدم الستار على واحدة من أبرز التجارب التدريبية في تاريخه الحديث، بإعلان نهاية مهمة المدرب المغربي جمال السلامي، بعد عامين قاد خلالهما منتخب “النشامى” إلى إنجاز غير مسبوق تمثل في بلوغ نهائيات كأس العالم 2026 لأول مرة، قبل أن يودعه رئيس الاتحاد، الأمير علي بن الحسين، برسالة حملت كثيراً من التقدير، بعيداً عن لغة الإقالة أو القطيعة.
وجاء الإعلان عبر رسالة نشرها الأمير علي على منصة “إكس”، شكر فيها السلامي على ما قدمه للكرة الأردنية، واصفاً تجربته بـ”الاستثنائية”، ومؤكداً أن المدرب المغربي سيبقى “ابناً عزيزاً للأردن”، في إشارة إلى حجم المكانة التي اكتسبها خلال فترة قيادته للمنتخب.
إنجاز تاريخي يصعب تجاوزه
حين تعاقد الاتحاد الأردني مع جمال السلامي في يونيو 2024 خلفاً لمواطنه الحسين عموتة، كان الهدف واضحاً: استثمار الزخم الذي عرفه المنتخب، وتحويل حلم التأهل إلى كأس العالم إلى حقيقة.
نجح السلامي في المهمة بأفضل صورة ممكنة. ففي يونيو 2025، قاد “النشامى” إلى حسم بطاقة التأهل المباشر إلى مونديال 2026، بعد الفوز على منتخب عُمان بثلاثية نظيفة، مستفيداً في الوقت نفسه من نتائج المجموعة، ليكتب اسمه كأول مدرب يقود الأردن إلى أكبر حدث كروي في العالم.
لم يكن الإنجاز عادياً بالنسبة لكرة القدم الأردنية، التي ظلت لعقود تقترب من المونديال دون أن تبلغ خط النهاية. لذلك اعتُبر السلامي أحد أبرز مهندسي التحول الذي عرفه المنتخب خلال السنوات الأخيرة.
نجاح لم يقتصر على التصفيات
لم تتوقف بصمة المدرب المغربي عند التأهل التاريخي إلى كأس العالم.
ففي نهاية عام 2025، واصل المنتخب الأردني حضوره القوي على الساحة العربية، بعدما بلغ نهائي كأس العرب، مقدماً عروضاً لافتة قبل أن يخسر المباراة النهائية أمام المنتخب المغربي، ويكتفي بالمركز الثاني.
ورغم خسارة اللقب، خرج الأردن بصورة منتخب قادر على منافسة كبار المنتخبات العربية، وهو ما عزز الثقة في المشروع الفني الذي يقوده السلامي.
تكريم ملكي ورسالة تقدير
لم تمر الإنجازات التي حققها المدرب المغربي دون تقدير رسمي.
فبعد نهائي كأس العرب، كشف السلامي أن ولي العهد الأردني أبلغه بقرار الملك عبد الله الثاني منحه الجنسية الأردنية، تقديراً لدوره في تطوير المنتخب الوطني وقيادته إلى أول مشاركة في كأس العالم.
كان ذلك التكريم يعكس حجم الامتنان الرسمي والشعبي لرجل نجح في تحقيق ما عجزت عنه أجيال من المدربين واللاعبين.
مونديال كشف حدود التجربة
لكن كرة القدم لا تتوقف عند لحظة التأهل.
دخل الأردن نهائيات كأس العالم وسط طموحات كبيرة، غير أن المنتخب اصطدم بفارق الخبرة أمام منتخبات اعتادت المشاركة في البطولات الكبرى.
ثلاث هزائم متتالية أمام النمسا والجزائر والأرجنتين أنهت مغامرة “النشامى” من الدور الأول، رغم نجاح المنتخب في هز شباك منافسيه خلال البطولة.
وأظهرت المباريات أن المنتخب يمتلك شخصية هجومية وشجاعة في اللعب، لكنه عانى دفاعياً، وافتقد الخبرة اللازمة لإدارة التفاصيل الصغيرة التي تحسم مباريات كأس العالم.
ورفض السلامي، عقب الإقصاء، تحميل لاعبيه مسؤولية النتائج، معتبراً أن مجرد المشاركة في المونديال تمثل مدرسة كروية ستنعكس إيجاباً على مستقبل المنتخب.
لماذا انتهت التجربة؟
رغم الإنجاز التاريخي، فضّل الاتحاد الأردني فتح صفحة فنية جديدة قبل نهاية العقد الأصلي، الذي كان يمتد حتى ما بعد كأس آسيا 2027.
ويبدو أن القرار لم يكن مرتبطاً فقط بنتائج كأس العالم، بل أيضاً برغبة الاتحاد في بناء مرحلة جديدة تستفيد من الخبرة التي اكتسبها المنتخب، وتبحث عن تطوير المشروع الفني استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
ولعل الطريقة التي أُعلن بها انتهاء المهمة تؤكد أن العلاقة بين الطرفين لم تنته بخلاف، بل باحترام متبادل، وهو ما ظهر بوضوح في رسالة الأمير علي بن الحسين، الذي اختار لغة الامتنان بدلاً من مفردات الإقالة المعتادة في عالم كرة القدم.
إرث سيبقى في تاريخ الكرة الأردنية
يرحل جمال السلامي عن المنتخب الأردني بعدما ترك بصمة يصعب محوها.
فهو أول مدرب يقود “النشامى” إلى كأس العالم، وأول من بلغ بهم نهائي كأس العرب، وصاحب مرحلة أعادت رسم سقف طموحات الكرة الأردنية.
قد تنتهي العقود، وتتغير الأجهزة الفنية، لكن بعض المدربين يتركون أثراً يتجاوز النتائج الآنية. والسلامي يبدو واحداً من هؤلاء؛ إذ غادر منصبه، لكنه غادر أيضاً بعدما منح الأردن لحظة تاريخية ستظل حاضرة في ذاكرة جماهيره، وجعل اسمه جزءاً من السجل الذهبي لكرة القدم الأردنية.









































