وجهت الجمعية المغربية لحماية المال العام، انتقادات شديدة للواقع التشريعي والسياسي بالمغرب، محذرةً مما أسمته التواطؤ الخطير داخل المؤسسة التشريعية لصالح لوبيات الفساد والريع، على حساب مبادئ الدستور وروح العدالة،و اعتبرت أن إعادة الثقة المفقودة بين المواطنين ومؤسساتهم تمر حتماً عبر مواجهة الفساد والرشوة ونهب المال العام بجرأة وحزم ودون هوادة، محذراً من أن استمرار هذا الوضع من شأنه أن يعمق الإحباط ويقوض أسس الدولة الحديثة.
و كشف الغلوسي أن الجمعية المغربية لحماية المال العام خاضت معركة قوية ضد محاولات تمرير المادتين 3 و7 من مشروع قانون المسطرة الجنائية، معتبراً أن المادتين تمثلان انحرافاً تشريعياً خطيراً يتعارض مع الاختيار الديمقراطي كثابت دستوري، وينتهك مبدأ فصل السلط بشكل سافر. وأكد أن أي دارس لأبجديات القانون لا يمكنه أن يتجاهل خطورة ما تضمنته المادتان، إذ تمنحان السلطة التنفيذية صلاحيات إضافية لا يقرها الدستور، وتفتحان الباب أمام اعتداء مباشر على صلاحيات السلطة القضائية.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل اعتبر الغلوسي أن المادتين تكرسان تمييزاً غير مقبول بين المواطنين، حيث تمنح المادة 3 امتيازاً قضائياً وقانونياً لفئة من المسؤولين تدبر الشأن العام وتضع اليد على المال العمومي، في خرق واضح للفصل السادس من الدستور الذي يقر بأن جميع المواطنين، بمن فيهم المسؤولون العموميون، متساوون أمام القانون وأحكامه. وزاد موضحاً أن تمرير هذه المقتضيات سيُظهر المغرب أمام المنتظم الدولي كبلد غير ملتزم باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي صادق عليها، ما سيؤثر على مصداقيته، فضلاً عن كونه سيعيق جهود الدولة والمجتمع في محاربة الفساد بما هو قضية مصيرية.
وأعرب الغلوسي عن أسفه لكون المؤسسة التشريعية تحولت، في نظره، إلى أداة في يد نخبة سياسية تستفيد من واقع الفساد وتعمل على تحصين مصالحها، حيث يجري الدفع بتشريعات تُقصي المجتمع وتفرغ السلطة القضائية من دورها الرقابي والزجري، وهو ما يعكس إرادة مبيتة لتكريس الإفلات من العقاب وحماية المفسدين. هذا الوضع، على حد قوله، أدى إلى بروز مغرب يسير بسرعتين متناقضتين، وعمّق فقدان الثقة في الفاعلين السياسيين وفي المؤسسات، وأجهض تطلعات المغاربة إلى التنمية والعدالة الاجتماعية.
وشدد رئيس جمعية حماية المال العام على أن الرهان اليوم بات معقوداً على الدولة ومؤسساتها، وفي مقدمتها المحكمة الدستورية، للتصدي لما وصفه بالانحراف السياسي والتشريعي الخطير. واعتبر أن ما يحدث يجسد تغولاً للوبيات الفساد التي تسعى إلى استغلال المؤسسة التشريعية لتمرير نصوص نكوصية تستهدف تكريس الفساد والرشوة، والاعتداء على الحقوق والحريات، في ما يشبه التأسيس لـ”دولة داخل الدولة”، وهو الأمر الذي يشكل خطراً بالغاً على الوطن والمجتمع.
ولم يتردد الغلوسي في توجيه اتهامات صريحة للأغلبية الحكومية وأحزاب المعارضة على حد سواء، متهماً إياها بالتواطؤ ضد المصلحة العامة، وبالانخراط في خدمة مصالح ضيقة لفئة قليلة تسعى إلى استغلال مواقع المسؤولية لتحقيق الثراء غير المشروع وتبييض الأموال، ضاربة عرض الحائط بمصلحة المواطنين والوطن. هذا التوجه، يضيف الغلوسي، يعمق مشاعر الظلم والغبن لدى الناس، ويهدد الاستقرار والأمن، إذ يضع الدولة والمجتمع في مواجهة مفتوحة مع شبكات الفساد.
وعلى صعيد آخر، رسم الغلوسي صورة قاتمة عن علاقة المواطن المغربي بالمؤسسات، مؤكداً أن معظم المغاربة يشعرون بأن أغلب المؤسسات التمثيلية والإدارية لا تنتمي إليهم ولا تمثلهم، ليس من الناحية القانونية، ولكن من حيث الأثر الذي تنتجه وتوزعه. وأوضح أن هذه المؤسسات تبدو في نظر المواطن غريبة وبعيدة، فيما تظهر “سخية ومعطاء” مع فئة محدودة فقط، إذ توزع الامتيازات بشكل غير عادل، وتصنع الحواجز والفوارق الاجتماعية، بينما يدفع المواطن البسيط وحده كلفة السياسات والضرائب.
وأضاف الغلوسي أن هذا الواقع جعل المؤسسات في نظر الناس مجرد جدران فاقدة للحياة، لا تحمل سوى معاني الظلم والتمييز وتبديد الأمل، ما يؤدي إلى فقدان الثقة في الوطن والمواطنة ومعناهما الحقيقي، ويدفع بالكثيرين إلى “الكفر بكل شيء”. وتساءل في هذا السياق عن السبل الكفيلة بإعادة الحياة لتلك المؤسسات كي تعود إلى أحضان المجتمع وتستعيد ثقة الناس ودفء انتمائهم، على غرار عودة الطفل إلى حضن أمه والطائر إلى عشه.
واعتبر أن المدخل الأساسي لاستعادة هذه الثقة يمر حتماً عبر مواجهة الفساد والرشوة ونهب المال العام والإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، وتفكيك منظومة الابتزاز السياسي والتشريعي التي تحكم قبضتها على المؤسسات. وأكد أن أي إرادة سياسية جادة لإعادة الأمل للمغاربة لن تكتمل إلا بالقطع مع الإفلات من العقاب، وتجفيف منابع الفساد التي تهدد أمن الدولة واستقرارها، وتحول المؤسسات من فضاءات لخدمة مصالح فئوية ضيقة إلى مؤسسات حقيقية في خدمة الصالح العام.






































