لم يكن صعود قلوب فيطح داخل حزب الأصالة والمعاصرة منفصلا عن المسار التنظيمي الذي راكمته داخل الحزب، ولا عن حضورها في النقاشات المرتبطة بمشاركة النساء في الحياة السياسية. فمن موقعها رئيسة لمنظمة نساء الأصالة والمعاصرة، وعضوا في المكتب السياسي وضمن الفريق النيابي للحزب، انتقلت إلى واجهة المسؤولية الحكومية بتعيينها وزيرة منتدبة لدى رئيس الحكومة مكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، في محطة تضع مسارها السياسي أمام اختبار جديد.
ويأتي هذا الانتقال في سياق يتسم بتزايد النقاش حول حضور النساء في مراكز القرار، وحدود الانتقال من التمثيلية السياسية والتنظيمية إلى التأثير الفعلي في تدبير الشأن العام. وبين موقعها الحزبي السابق ومسؤوليتها الحكومية الجديدة، تبرز تجربة فيطح بوصفها مسارا يجمع بين العمل التنظيمي النسائي والممارسة البرلمانية، قبل الانتقال إلى مجال تتداخل فيه العلاقة بين الحكومة والمؤسسة التشريعية وفعاليات المجتمع المدني.
من التنظيم الحزبي إلى الواجهة السياسية
برز اسم قلوب فيطح داخل حزب الأصالة والمعاصرة من خلال نشاطها في الهياكل الحزبية ومشاركتها في العمل البرلماني. وفي 20 ماي 2023، انتُخبت رئيسة لمنظمة نساء الحزب خلال مؤتمرها الوطني المنعقد بمدينة بوزنيقة، بعد انسحاب المرشحة الأخرى بشرى طفيح من المنافسة.
وشكل هذا الانتخاب محطة بارزة في مسارها، إذ وضعها على رأس التنظيم النسائي لحزب يشارك في الحياة السياسية والحكومية، وأناط بها مهمة تمثيل هذا التنظيم والدفاع عن أولوياته داخل الحزب وخارجه. وقد أكدت، عقب انتخابها، عزمها على العمل بصورة تشاركية من أجل تحقيق أهداف المنظمة والدفاع عن قضايا المرأة.
ومنذ ذلك الحين، ارتبط حضورها السياسي إلى حد كبير بقضايا المشاركة النسائية، وتعزيز حضور النساء في المؤسسات المنتخبة، وتوسيع فرص وصولهن إلى مواقع القرار. كما حضرت في لقاءات حزبية ونقاشات عمومية تناولت التمكين السياسي للنساء والإصلاحات التشريعية المرتبطة بحقوقهن.
غير أن قيادة تنظيم نسائي حزبي لا تقتصر على الدفاع عن المطالب المعلنة؛ فهي تضع المسؤولية التنظيمية أمام تحدي تحويل الخطاب إلى مشاركة ملموسة، وتوسيع قاعدة الانخراط، ومواكبة النساء الراغبات في خوض الانتخابات وتحمل المسؤوليات داخل المؤسسات المنتخبة.
المرأة في صلب خطابها السياسي
احتلت قضايا المرأة موقعا بارزا في مواقف قلوب فيطح العلنية. ففي مداخلاتها خلال أنشطة منظمة نساء الأصالة والمعاصرة، دافعت عن تعزيز المشاركة السياسية للنساء، وعن ضرورة مواصلة الإصلاحات القانونية والمؤسساتية بما يواكب التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.
وفي يونيو 2025، شددت خلال الدورة الثالثة للمجلس الوطني للمنظمة على أهمية مراجعة القوانين من منظور يراعي المساواة بين النساء والرجال، وتفعيل المكتسبات التشريعية المتعلقة بمحاربة العنف والتمييز. كما تناولت في مناسبات أخرى موضوع تعديل مدونة الأسرة، معتبرة أن الإصلاح ينبغي أن يستجيب للتحولات المجتمعية وأن يراعي العدالة المجالية.
وفي ماي 2026، دعت خلال لقاء بمدينة أصيلة إلى توسيع مشاركة النساء والشباب في الحياة العامة، معتبرة أن المشاركة لا ينبغي أن تتوقف عند الانخراط الحزبي، بل يتعين أن تمتد إلى الترشح والانتخاب وتحمل المسؤولية داخل المؤسسات. كما طرحت سؤال حضور النساء في مواقع القيادة، في إشارة إلى الفجوة التي يمكن أن تستمر بين اتساع المشاركة النسائية وبين الوصول إلى مراكز القرار.
وتكشف هذه المواقف عن المحاور التي سعت فيطح إلى إبرازها في خطابها السياسي، لكنها تضع تجربتها أيضا أمام معيار عملي: مدى قدرة التنظيم الذي تقوده على ترجمة هذه الدعوات إلى مشاركة أوسع وتأثير ملموس في الحياة السياسية.
بين البرلمان والعمل الحزبي
إلى جانب مسؤوليتها على رأس منظمة نساء الأصالة والمعاصرة، راكمت قلوب فيطح حضورا داخل الفريق النيابي للحزب، وشاركت في النقاشات المرتبطة بالتشريع والعمل السياسي. وقد أتاح لها هذا الموقع الجمع بين العمل التنظيمي داخل الحزب والمشاركة في المؤسسة التشريعية، حيث تتقاطع القضايا الاجتماعية والحقوقية مع النقاشات السياسية والقانونية.
كما انخرطت في نقاشات حول أخلاقيات الممارسة السياسية واستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات، وهي موضوعات تكتسب أهمية في ظل تراجع الثقة في العمل الحزبي لدى شرائح من المجتمع، وتزايد المطالب بربط الخطاب السياسي بالنتائج الملموسة.
لكن الانتقال من موقع النائبة والفاعلة الحزبية إلى المسؤولية الحكومية يغير طبيعة المهام المنتظرة. ففي البرلمان، تتخذ المواقف شكل نقاش ومساءلة ومقترحات؛ أما داخل الحكومة، فتتصل المسؤولية بمتابعة الملفات وتنسيق العلاقات المؤسساتية والعمل على تنفيذ الالتزامات ضمن اختصاصات محددة.
حقيبة تضعها أمام اختبار مختلف
يشكل تولي قلوب فيطح مهمة وزيرة منتدبة لدى رئيس الحكومة مكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني انتقالا إلى مجال أكثر ارتباطا بالتنسيق بين المؤسسات. فهذه المسؤولية لا تتعلق فقط بالحضور في النقاش السياسي، بل تشمل بناء قنوات التواصل بين الحكومة والبرلمان، ومتابعة المسار التشريعي، وتعزيز العلاقة مع مكونات المجتمع المدني، كل في حدود الاختصاصات الموكولة إلى القطاع.
وتتطلب هذه المهمة قدرة على إدارة الاختلاف بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وضمان التواصل بشأن مشاريع القوانين ومبادرات الحكومة، إلى جانب إرساء علاقة منتظمة مع الجمعيات والهيئات المدنية. كما تفرض على المسؤول الحكومي الموازنة بين أولويات الأغلبية وانتظارات المعارضة، وبين متطلبات العمل المؤسساتي وتطلعات المجتمع المدني إلى المشاركة والتأثير.
ومن هنا، فإن التحدي الأساسي أمام فيطح لن يكون امتدادا آليا لعملها السابق في التنظيم النسائي، بل اختبارا لقدرتها على تحويل خبرتها الحزبية والبرلمانية إلى أداء حكومي قائم على التنسيق والإنصات والنتائج. كما ستظل فعالية هذه المسؤولية مرتبطة بمدى قدرتها على تعزيز الحوار المؤسساتي وتيسير مشاركة المجتمع المدني في النقاش العمومي، بعيدا عن الاكتفاء بالمناسبات واللقاءات البروتوكولية.
من التمثيلية إلى الأثر
تقدم تجربة قلوب فيطح صورة لمسار سياسي انتقل من قيادة تنظيم نسائي حزبي إلى موقع حكومي يتطلب الاشتغال على ملفات مؤسساتية متعددة. غير أن تقييم هذه التجربة لا يمكن أن يستند إلى التعيين وحده، ولا إلى الشعارات المرتبطة بتمكين النساء والمشاركة المدنية؛ بل يتطلب انتظار ما ستسفر عنه الممارسة من نتائج قابلة للتقييم.
فالمسؤولية الحكومية الجديدة تضعها أمام أسئلة تتجاوز حدود حزبها وتنظيمه النسائي: كيف ستسهم في تطوير العلاقة بين الحكومة والبرلمان؟ وما الذي يمكن أن تقدمه لتعزيز الحوار مع المجتمع المدني؟ وإلى أي حد ستنجح في جعل المشاركة المؤسساتية أكثر انتظاما وفاعلية؟
تلك هي الأسئلة التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة في مسار قلوب فيطح. فبعد سنوات من العمل الحزبي والتنظيمي، باتت أمام مسؤولية تتيح لها توسيع مجال تأثيرها، لكنها تضعها في الوقت نفسه أمام معيار أكثر وضوحا للمحاسبة: ما الذي ستضيفه إلى أداء المؤسسات، وما الأثر الذي سيتركه عملها في العلاقة بين السياسة والمجتمع








