في إحدى زوايا “كان المغرب 2025”، لم يكن صخب المدرجات وحده ما يصنع المشهد. كان هناك رجل اختار أن يقف خارج إيقاع الضجيج، ليكتب لحظته الخاصة بلغة الرموز. ميشيل كوكا مبولادينغا، المشجع الكونغولي الذي بدا كأنه خرج من أرشيف القارة، لا من صفوف المشجعين.
بدلة داكنة مشذبة بعناية، نظارات سميكة تُذكّر بصور ستينيات القرن الماضي، ووقفة ثابتة لا تهتز حتى حين تهتز المدرجات كلها. ذراع مرفوعة بإيماءة صامتة لكنها مدوّية، تعلن اسماً لا يخص لاعباً في الملعب، بل قائداً في التاريخ: باتريس لومومبا.
لم يكن الأمر تنكّراً احتفالياً، بل استعادة واعية لذاكرة إفريقية مثقلة بأسئلة الكرامة والسيادة. اختار ميشيل أن يتقمّص صورة لومومبا، لأنه – كما يقول – ما زال يمثل المعنى الذي لم تستهلكه كرة القدم: الحق في أن تكون إفريقيا سيدة قرارها، حتى وهي تهتف للكرة.
مناصر بلا هتاف… ورسالة بلا كلمات
في حضوره اقتصادٌ مقصود للحركة، وسكونٌ محسوب يجعل الإشارة أثقل من أي هتاف. لم يأت ليصفّق ثم يُنسى، بل ليُذكّر ثم يُتداول. وفي زمن السرعة الرقمية، أدرك الرجل أن الإيماءة أحياناً أبلغ من البيان، والصمت أعمق من الضجيج.
لومومبا… الجرح الذي يصنع الرمزية
باتريس لومومبا لم يعش طويلاً في الحكم، لكنه عاش طويلاً في الوجدان. رئيس وزراء الاستقلال الكونغولي 1960، الذي تحوّل اغتياله في يناير 1961 إلى مرآة قاسية لحدود التحرر الإفريقي: من يُسمح له أن يستقل فعلاً؟ ومن يُدان لأنه حاول أن يستقل أكثر مما تسمح به خرائط النفوذ؟
في خطاب الاستقلال، قال ما لم يكن مسموحاً قوله. فدفع الثمن دماً، بينما بقي الخطاب وثيقةً مفتوحةً تُقرأ حتى اليوم بوصفها نبوءة السيادة المخطوفة، لا السيادة المعلنة.
لماذا المغرب؟ ولماذا “الكان”؟
لأن المغرب كان شاهداً على زمن التشكّل القاري، وجزءاً من امتحان الكونغو عبر بعثة الأمم المتحدة ومجموعة الدار البيضاء 1961 التي رفعت آنذاك سقف السيادة والتضامن. ولأن “الكان” ليس بطولة كرة قدم فقط، بل مسرحاً شعبياً لنبض القارة، فإن لومومبا يعود داخله لا كتعكير للاحتفال، بل كجزء من خلفيته العميقة.
المدرج يتحول إلى ذاكرة… والجمهور إلى شهود
هنا، لم يعد المشجع رقماً في الحشد، بل صورةً في الوعي. رفع ميشيل ذراعه ليقول: نحن نفرح بالكرة، نعم… لكننا لم ننهِ بعدُ حوارنا مع المعنى الأكبر: استقلالٌ لا يكتمل بالصافرة، ولا يُحمى بالتصفيق، بل بالإرادة التي دفع لومومبا ثمنها ولم تدفن معه.









































