تؤكد أحدث المعطيات الديموغرافية أن المهاجرين القادمين من المغرب ما زالوا يشكلون أكبر جالية أجنبية في إسبانيا، حيث بلغ عددهم 1.165.955 شخصاً، وهو رقم يضع المغرب في صدارة الدول المصدرة للهجرة إلى هذا البلد الأوروبي بفارق واضح عن باقي الجنسيات.
ورغم الصعود اللافت في أعداد المهاجرين من أمريكا اللاتينية، خصوصاً من كولومبيا (نحو 978 ألف شخص) وفنزويلا (692 ألفاً)، فإن الجالية المغربية تظل الركيزة الأساسية للوجود الأجنبي في إسبانيا، نتيجة مسار هجرة تاريخي ممتد لعقود طويلة سبق بكثير موجات الهجرة اللاتينية الحديثة.
هجرة تاريخية راسخة
بحسب تحليل نشرته صحيفة إل موندو اعتماداً على بيانات المعهد الوطني للإحصاء في إسبانيا، فإن تفوق المغرب في أعداد المهاجرين لا يرتبط بطفرة ظرفية، بل بتراكم ديموغرافي استمر لأكثر من نصف قرن.
فالهجرة المغربية نحو إسبانيا تشكل تياراً تاريخياً مستقراً لم ينقطع، على عكس الهجرة الفنزويلية التي ارتبطت بالأزمة الاقتصادية في بلادها بين 2015 و2020، أو الهجرة الكولومبية التي تسارعت بعد جائحة كورونا.
ويمثل المغاربة اليوم نحو 12.4 في المائة من مجموع السكان المولودين في الخارج داخل إسبانيا، وهو ما يجعل حضورهم مؤثراً في التوازنات الديموغرافية والاجتماعية للبلاد.
هيمنة ذكورية مرتبطة بسوق العمل
تتميز الجالية المغربية بخصوصية ديموغرافية واضحة، إذ يهيمن الرجال عليها بنسبة تفوق 60 في المائة، على عكس الجاليات اللاتينية التي تشكل النساء غالبية أفرادها بنسبة تقارب 56 في المائة.
ويعود هذا الاختلاف إلى طبيعة القطاعات الاقتصادية التي تستقطب العمال المغاربة، وعلى رأسها الزراعة المكثفة والبناء، وهما قطاعان يعتمدان تقليدياً على اليد العاملة الذكورية.
وتبرز هذه الظاهرة بشكل خاص في مناطق الجنوب والشرق الزراعي لإسبانيا مثل إقليم ألميرية، حيث تشكل العمالة المغربية عماد النشاط الزراعي.
انتشار واسع في الأقاليم
على المستوى الجغرافي، ينتشر المغاربة في معظم مناطق إسبانيا، لكن حضورهم يبدو أكثر قوة في بعض الأقاليم.
ففي كاتالونيا، مثلاً، يتصدر المغاربة قائمة الجاليات الأجنبية، إذ بلغ عددهم 303.065 شخصاً حتى فاتح يناير 2026 وفق بيانات معهد الإحصاء الكاتالوني، مسجلين أكبر زيادة سنوية بين الجنسيات الأجنبية.
كما يحتل المغاربة المرتبة الأولى بين الجاليات الأجنبية في سبع مقاطعات من أصل ثماني مقاطعات في منطقة الأندلس، خصوصاً في المناطق الزراعية.
وفي مدن مثل إل إخيدو بإقليم ألميرية، يمثل المغاربة 58.5 في المائة من السكان الأجانب نتيجة الطلب المرتفع على اليد العاملة الزراعية.
أما في مدينتي سبتة ومليلية، فتبلغ نسبة المغاربة حوالي 87 في المائة من مجموع الأجانب.
الوجه الآخر للهجرة
ورغم هذا الحضور العددي الكبير، تكشف الدراسات الاجتماعية عن واقع أكثر تعقيداً. إذ تشير خرائط تفصيلية نشرها تقرير صحيفة “إل موندو” إلى أن المغاربة هم الأكثر تعرضاً للفصل السكني الاقتصادي مقارنة ببقية الجاليات.
ففي مدن مثل مدريد وبرشلونة، تتركز الجالية المغربية في الأحياء ذات الدخل المنخفض، بينما يكاد حضورها يغيب في المناطق الراقية.
ويرتبط هذا الوضع بعدة عوامل، أبرزها ارتفاع أسعار السكن، وصعوبة الوصول إلى العقار في الأحياء الميسورة، إضافة إلى شبكات التضامن العائلية التي تدفع المهاجرين للسكن قرب بعضهم البعض، فضلاً عن وجود عوائق غير معلنة تحد من توزيعهم السكني بشكل متوازن.
بين القوة العددية وتحديات الاندماج
تعكس الجالية المغربية في إسبانيا مفارقة واضحة؛ فهي من جهة الأكبر عدداً والأقدم حضوراً والأوسع انتشاراً، لكنها من جهة أخرى تواجه تحديات حقيقية مرتبطة بالفقر والعزلة السكنية وصعوبات الاندماج الاجتماعي.
وفي ظل التحولات الديموغرافية المتسارعة التي تعرفها إسبانيا، يظل وضع المغاربة بمثابة اختبار حقيقي للنموذج الإسباني في إدماج المهاجرين، حيث تكشف الأرقام أن الحجم وحده لا يكفي لضمان الاندماج الكامل، وأن التاريخ الطويل للهجرة لا يمنع استمرار الفوارق الاجتماعية.









































