تشير التطورات الأخيرة في ملف الصحراء إلى دخول النزاع مرحلة جديدة، تختلف إلى حد ما عن المراحل السابقة، سواء من حيث طبيعة النقاش داخل الأمم المتحدة أو من حيث مواقف عدد من القوى الدولية. ويبدو أن مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007 أصبح يحتل موقعاً مركزياً في البحث عن تسوية سياسية، بعدما اتسعت دائرة الدول التي تعتبره أساساً جدياً وواقعياً للتفاوض.
بالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر بمجرد تغير في الخطاب الدبلوماسي لبعض الدول، بل بمسار تراكمي استثمرت فيه الرباط جهوداً سياسية واقتصادية ودبلوماسية على مدى سنوات. فقد حرص المغرب على تقديم الحكم الذاتي باعتباره تصوراً للحل يجمع بين الحفاظ على سيادته على الأقاليم الجنوبية ومنح سكان المنطقة صلاحيات واسعة في تدبير شؤونهم المحلية، ضمن مؤسسات منتخبة واختصاصات محددة.
ويستند الموقف المغربي إلى اعتبار أن الحكم الذاتي يمكن أن يوفر مخرجاً سياسياً واقعياً لنزاع طال أمده، وأن استمرار الوضع الحالي لم يعد يخدم استقرار المنطقة ولا مصالح شعوبها. ومن هذا المنطلق، يحرص المغرب على توسيع الدعم الدولي لمبادرته، مع التأكيد على استعداده للدخول في مفاوضات تفضي إلى تسوية سياسية في إطار تصور الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وقد انعكس هذا التوجه في النقاشات الأخيرة داخل مجلس الأمن، خصوصاً من خلال المساعي الأمريكية الرامية إلى جعل المبادرة المغربية أساساً للمفاوضات المقبلة. غير أن التطورات التي شهدها المجلس يوم 30 أكتوبر 2026، بعد تعثر مشروعي القرار الأمريكي والروسي بشأن مستقبل بعثة المينورسو، أظهرت أن التوافق الدولي حول طريقة تدبير المرحلة المقبلة لا يزال بعيد المنال. وهذا يذكر بأن التحولات الدبلوماسية، مهما كانت مهمة، لا تعني بالضرورة أن الطريق نحو التسوية أصبح محسوماً.
ومن المهم هنا التمييز بين اتساع الدعم الدولي للموقف المغربي وبين الوصول إلى اتفاق نهائي. فالمغرب راكم بالفعل مكاسب دبلوماسية، وأصبح مقترح الحكم الذاتي يحظى بمكانة متقدمة في النقاش الدولي، لكن ترجمة هذه المكاسب إلى حل سياسي تتطلب مفاوضات جدية وتوافقاً بشأن تفاصيل التسوية وضمانات تنفيذها.
وفي هذا السياق، يظل الموقف الجزائري عاملاً أساسياً في مستقبل النزاع. فاستمرار الخلاف بين الرباط والجزائر ينعكس على فرص بناء الثقة وإطلاق تعاون مغاربي حقيقي. كما أن الوصول إلى تسوية مستقرة يقتضي التعامل مع مختلف الأطراف المعنية، والبحث عن صيغة تسمح بتجاوز حالة الجمود دون تجاهل الاعتبارات السياسية والإقليمية المرتبطة بالملف.
أما بالنسبة إلى بعثة المينورسو، فإن أي مراجعة لمهامها أو لطبيعة حضورها ينبغي أن ترتبط بتطور المسار السياسي وبالحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار الميداني. فالمطلوب هو الانتقال التدريجي نحو تسوية، وليس اتخاذ قرارات قد تخلق فراغاً في منطقة ما زالت تحتاج إلى آليات للمتابعة واحتواء التوترات.
في المحصلة، يدخل المغرب هذه المرحلة مستنداً إلى مقترح سياسي واضح وإلى رصيد متنامٍ من الدعم الدولي. لكن التحدي المطروح اليوم لا يقتصر على تعزيز هذا الدعم، بل يتعلق أيضاً بقدرته على تحويله إلى مسار تفاوضي منتج، يقدم تفاصيل عملية للحكم الذاتي ويأخذ بعين الاعتبار متطلبات الحل الدائم.
إن الموقف المغربي بات يحظى بحضور أكبر في النقاش الدولي، وهذه حقيقة تعكس تغيراً مهماً في مسار القضية. ومع ذلك، فإن إنهاء النزاع يظل مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف للانتقال من تدبير الخلاف إلى التفاوض حول تسوية قابلة للتطبيق.
فالمطلوب في نهاية المطاف ليس استمرار تبادل المواقف، وإنما إيجاد حل ينهي هذا النزاع، ويحفظ للمغرب وحدته الترابية وفق تصوره للحل، ويضمن الاستقرار لسكان المنطقة، ويفتح الطريق أمام علاقات مغاربية جديدة تتجاوز خلافات الماضي






