دخلت مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة أكثر تقدما، مع تزامن قرارات حزبية بشأن المشاركة في الأغلبية مع تحركات لإعادة ترتيب المواقع داخل مجلس النواب، في مؤشر على انتقال النقاش تدريجيا من اختبار التحالفات إلى استكمال هندسة المؤسسات خلال الولاية التشريعية الجديدة.
وشهدت نهاية الأسبوع الماضي تطورات لافتة، أبرزها إعلان المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الاستعداد للمشاركة في الحكومة وتفويض كاتبه الأول إدريس لشكر مواصلة التفاوض، إلى جانب تعزيز حزب التقدم والاشتراكية موقعه داخل مجلس النواب، مقابل اختيار الاتحاد الدستوري المساندة النقدية للحكومة من خارج أغلبيتها.
ورغم هذا التقدم، لا تزال الصيغة النهائية للأغلبية المرتقبة تنتظر الإعلان الرسمي، خصوصا في ظل تأكيد عبد اللطيف وهبي، عضو لجنة المشاورات داخل حزب الأصالة والمعاصرة، أن التحالف لم يُحسم بعد، وأن أيا من الأحزاب لم يُستبعد بصورة نهائية.
الاتحاد الاشتراكي ينتقل إلى التفاوض بشأن شروط المشاركة
شكل اجتماع المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، المنعقد السبت بالرباط، إحدى أبرز محطات المشاورات، بعدما انتقل الحزب من مرحلة دراسة عرض المشاركة إلى اتخاذ قرار مؤسساتي بالترحيب به، مع تفويض إدريس لشكر مواصلة التفاوض بشأن طبيعة العرض الحكومي وهندسته والمهام التي يمكن أن يتولاها الحزب.
وربط الاتحاد الاشتراكي مشاركته المرتقبة ببرنامجه الانتخابي وما يعتبره تقاطعات في القيم والاختيارات مع حزب الأصالة والمعاصرة وباقي القوى المرشحة للانضمام إلى الأغلبية، مشددا على أن اختيار الأسماء التي ستتحمل المسؤوليات الحكومية ينبغي أن يستند إلى الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز.
ولم يقتصر موقف لشكر على إعلان الاستعداد للمشاركة، بل امتد إلى طرح تصور لطبيعة الحكومة المقبلة، من خلال الدعوة إلى تشكيل «حكومة سياسية قوية» ومقلصة من حيث عدد الوزراء، بما يجعل النقاش، وفق هذا الطرح، متجاوزا لتوزيع الحقائب نحو طبيعة الاختيارات السياسية والقدرة على تنفيذ الالتزامات.
ويمنح هذا القرار الاتحاد الاشتراكي تفويضا واضحا للانتقال إلى مناقشة تفاصيل المشاركة وشروطها، بعد أن ظل الحسم النهائي مرتبطا بمؤسساته التنظيمية. كما يعزز موقع الحزب ضمن الصيغة التي تتقدم في مشاورات تشكيل الأغلبية، والمكونة من الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.
التقدم والاشتراكية يعزز حضوره البرلماني
بالتوازي مع تطورات المشاورات الحكومية، عزز حزب التقدم والاشتراكية موقعه داخل مجلس النواب، بعدما ارتفع عدد أعضاء فريقه من 19 نائبا، وفق نتائج الانتخابات، إلى 22 نائبا، إثر اتفاق مع حزب جبهة القوى الديمقراطية وحزب الديمقراطيين الجدد.
ويضم الفريق المشترك نواب التقدم والاشتراكية، إلى جانب حنان زميزم عن حزب الديمقراطيين الجدد، ودنيا الزاهر ونادية نوعم عن جبهة القوى الديمقراطية، في خطوة أعادت الفريق إلى الحجم العددي الذي كان يتوفر عليه خلال الولاية التشريعية السابقة.
ورغم أن هذا التطور لا يغير بالضرورة موازين الأغلبية الحكومية، بالنظر إلى احتفاظ النائبات الثلاث بانتماءاتهن الحزبية، فإنه يعزز الوزن المؤسساتي للتقدم والاشتراكية داخل مجلس النواب، في توقيت يتزامن مع مفاوضاته بشأن موقعه في الحكومة المقبلة.
وكان الحزب قد أبدى انفتاحه على المشاركة في الصيغة التي تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي، وهي صيغة تشير الحسابات الأولية الواردة في المعطيات المتداولة بشأنها إلى امتلاكها 207 مقاعد، بما يوفر لها أغلبية عددية دون الحاجة إلى ضم حزب خامس.
الاتحاد الدستوري يختار المساندة النقدية من خارج الأغلبية
في المقابل، اختار حزب الاتحاد الدستوري تموقعا مغايرا، بعدما أعلن اعتماد خيار «المساندة النقدية» للحكومة المقبلة، مع التشديد على الحفاظ على استقلالية قراره السياسي.
وجاء القرار عقب اجتماع المكتب السياسي للحزب، وربطه الاتحاد الدستوري بما وصفه بالتقارب بين برنامجه الانتخابي وبرنامج الأصالة والمعاصرة، إلى جانب الرغبة في مواكبة الأوراش والإصلاحات المقبلة من موقع سياسي مستقل.
ويعني هذا التوجه أن الحزب لا يعتزم الانضمام إلى الأغلبية الحكومية وفق الصيغة المعلنة، لكنه لا يتبنى في المقابل معارضة مطلقة لها، مفضلا الاحتفاظ بهامش لتقييم السياسات الحكومية والتعامل معها بحسب مضمونها.
ويسهم هذا التموضع في توضيح بعض ملامح الخريطة السياسية الجديدة، بعدما اختار حزب العدالة والتنمية الاصطفاف في المعارضة، في حين ظل التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية خارج الصيغة الأكثر تقدما للتحالف، من دون صدور إعلان نهائي يحدد بصورة رسمية مكونات الأغلبية المقبلة.
وهبي يتمسك بإبقاء المشاورات مفتوحة
ورغم المؤشرات التي تدفع نحو ترجيح تحالف يضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، حرص عبد اللطيف وهبي، الجمعة الماضي، على التأكيد أن المشاورات لم تصل بعد إلى مرحلة الحسم النهائي.
وأوضح وهبي أن فاطمة الزهراء المنصوري لم تعلن رسميا مكونات الأغلبية، مشيرا إلى أن أيا من الأحزاب لم يُستبعد من الحسابات، بما في ذلك التجمع الوطني للأحرار. كما كشف أن المشاورات لا تتعلق فقط بتحديد الأحزاب المشاركة، بل تشمل أيضا تصورا أوليا لهندسة الحكومة وطبيعة الحقائب قبل الانتقال إلى اختيار الأسماء.
ويترك هذا الموقف الباب مفتوحا أمام احتمالات التفاوض، رغم أن القرارات الحزبية الأخيرة توحي بتقلص دائرة الخيارات المطروحة. كما يبرز أن التفاهم بشأن المشاركة السياسية لا يعني بالضرورة اكتمال الاتفاق حول توزيع المسؤوليات أو طبيعة البرنامج الحكومي.
انتخاب رئيس مجلس النواب يفتح مرحلة ترتيب المؤسسات
بموازاة مشاورات تشكيل الحكومة، بدأت مؤسسات الولاية التشريعية الجديدة تدخل مرحلة استكمال هياكلها، بعدما أعلن عبد العزيز أبا، رئيس المكتب المؤقت لمجلس النواب، عقد جلسة عمومية الثلاثاء 13 أكتوبر، ابتداء من الساعة الثالثة بعد الزوال، لانتخاب رئيس جديد للمجلس.
ويأتي هذا الإعلان تطبيقا للفصل 62 من الدستور والمادة 48 من النظام الداخلي لمجلس النواب، عقب افتتاح الملك محمد السادس السنة التشريعية الجديدة.
ويشكل انتخاب رئيس المجلس محطة أساسية في استكمال تنظيم المؤسسة التشريعية، على أن تتواصل بعد ذلك إجراءات تشكيل المكتب وبقية الهياكل البرلمانية، بالتوازي مع تقدم مشاورات تشكيل الحكومة نحو تحديد تركيبتها النهائية.
وتكشف حصيلة نهاية الأسبوع أن المشاورات دخلت مرحلة أكثر تقدما، بعدما بدأت الأحزاب المعنية بتحديد مواقفها المؤسسية، فيما انتقل النقاش تدريجيا إلى شروط المشاركة وهندسة الحكومة وترتيب المؤسسات. غير أن هذا التقدم لا يلغي استمرار بعض عناصر الغموض، في انتظار الإعلان الرسمي عن الأغلبية المقبلة والتفاهم النهائي بشأن برنامجها وتوزيع مسؤولياتها








