انفرد حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الأغلبية الحكومية وهي على مشارف نهايتها، بموقف رافض بالمطلق لتكوين لجنة تقصي الحقائق حول كل أشكال الدعم المتعلقة باستيراد المواشي والأضاحي الموجهة للعيد واللحوم.
لما تقرأ بلاغ فريق التجمع الوطني للأحرار تجده مبنيا على مسوغات، تبدو للوهلة الأولى مبررة قانونيا. لكن خلف هذه المرافعة الطويلة هناك شيء غير طبيعي وراء الانزعاج من تشكيل لجنة تقصي الحقائق التي انضم إلى الدفاع عنها شركاؤه في الأغلبية.
فما الذي يزعج التجمع الوطني للأحرار من تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في الموضوع؟ لماذا يخاف منها، وقد ظل زعماؤه يرددون أن كل الأمور سارت وفق القوانين الجاري بها العمل؟ أليس من المهم لصورة المغرب الديمقراطي وللمؤسسات الدستورية أن يقبل الحزب الأغلبي و”يخرج منها مرفوع الرأس” كما يقول؟
القراءة الأولى لبلاغ الرفض بل لعنوانه فقط تحيل على المثلين العربي والمغربي “يكاد المريب يقول خذوني” و”مول الفز يقفز”.
كان حريا بحزب التجمع الوطني للأحرار أن يرفع السقف عاليا، وذلك منذ أن بدأت التهم تتوجه للحكومة، بمعنى لتجمع المصالح الكبرى التي يدافع عنها، ويطالب هو بلجنة تقصي الحقائق، ويتركها تقوم بعملها، لتصدر براءته من دم الفراقشية كما يقول.
بغض النظر عما حصل وكيف حصل، ومن المسؤول عن إهدار ملايير الدراهم من المال العام في هذا الدعم، الذي لم يجد نفعا، وبغض النظر عن أن الدعم لم يظهر له أثر اجتماعي سواء من خلال أسعار اللحوم المرتفعة أو أضاحي العيد، التي وصل سعرها إلى السقف، بغض النظر عن كل ذلك، فإن مجرد رفض لجنة تقصي الحقائق، تحت أي مبرر يضعك في خانة الاتهام.
لا يمكن أن ترفض التحقيق إن كنت متأكدا من أنك لست متورطا في الملف. فهذا الرفض أكبر شبهة ستوجه للحزب الأغلبي، والشبهات خطيرة تفسد العملية السياسية وتسيء إلى مضمونها، وتساهم بقوة في ارتفاع نسبة العزوف السياسي، الذي نعاني منه بشكل كبير جدا.
قوة المؤسسات وسمعتها تبنيها من خلال ممارسة دورها الحقيقي، سواء من خلال تجويد التشريعات أو من خلال الممارسة الرقابية للعمل الحكومي سواء عبر منظومة الأسئلة الكتابية والشفوية أو عبر لجان الاستطلاع ولجان تقصي الحقائق، وهي كلها آليات وضعها الدستور رفضا لتغول الحكومة.
الحكومة اليوم اختارت الطريق الأسهل، ألا وهو الاعتماد على أغلبيتها العددية لتمرير كل ما تود تمريره، دون حاجة إلى التوافقات ودون حاجة إلى المقاربة التشاركية، وعلى مقربة من الانتخابات بدأت تأكل من “البردعة”، كما يقال، حيث شرعت أحزاب الأغلبية تتبرأ من بعضها البعض، وبلاغ التجمع هاجم الحزبين الآخرين وهددهما، والمواطن غير معني بتبادل التهم ولكن معني بتحمل المسؤولية كاملة في حماية المال العام.








































