غيّر الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا علاقتنا بالتفكير، محولًا العقل من أداة تفكير مستقلة إلى منظومة تعتمد على الآلة وتخاطر بفقدان استقلالها المعرفي.
سيليا فورد، ترجمة بندلي العيسى
ترجمة لمقال نشر بالإنجليزية في مجلة ڤوكس، في آذار الماضي.
رغم تعقيده، يعمل الدماغ البشري ببطء مزعج: نحو 10 بتات في الثانية، وهي أقل من سرعة مودم اتصال هاتفي في ستينيات القرن الماضي، وهذا غير كافٍ أمام الفيضان المستمر من المعلومات الذي نتعرض له يوميًا. التعاطي مع المعرفة بالعقل المجرّد وحده دون أدوات مساعدة، وفي ظل المنافسة في اقتصاد اليوم، يشبه بناء العضلات دون منشطات: مسعى نبيل ولكنه لا يضمن الفوز.
بالطبع، لم يعتمد البشر أبدًا على قدراتهم الفكرية وحدها، فنحن مخلوقات تستعمل الأدوات، وتاريخنا طويل في تفريغ الجهد العقلي. رسوم الكهوف مثلًا سمحت لأسلافنا في فترة ما قبل التاريخ بمشاركة وحفظ القصص بدل حبسها داخل رؤوسهم. استخدام الأدوات، من النصوص المكتوبة بخط اليد إلى تطبيقات الملاحة المعقدة، يسمح لنا كبشر بالتفوق على قدراتنا البيولوجية. حتى أدوات بسيطة مثل التدقيق الإملائي والإكمال التلقائي تساعدنا على الكتابة بشكل أفضل وأسرع مما كان أسلافنا يستطيعون تخيّله.
نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية اليوم تدرّبت على حجم نصوص يزيد خمس مرات عن مجموع ما كُتب قبل 500 عام. وقد وجدت دراسة حديثة من مايكروسوفت وجامعة كارنيغي ميلون علاقة بين الاعتماد العالي على أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل وتراجع مهارات التفكير النقدي. تقول الدراسة إن تفويض الأفكار للذكاء الصناعي يجعل عقول الناس في حالة «اضمحلال وعدم جهوزية»، مما «قد يؤدي إلى تدهور القدرات المعرفية التي يجب الحفاظ عليها».
العقل مرتبط بالذات إلى درجة عميقة، حتى إن مجرّد التفكير في حجم ما لا نقوم به بأنفسنا من تفكير قد يكون مربكًا. تقارير كهذه قد تثير شعورًا بالدفاعية الإنسانية، وخشية من أن الدماغ البشري ــ أي «أنت» فعليًا ــ آخذ في التلاشي. يدفعني ذلك للرغبة بممارسة الحساب الذهني، وقراءة كتاب، ورمي هاتفي في البحر.
نظرية العقل الممتد
في عام 1998، قدّم الفيلسوفان آندي كلارك وديفيد تشالمرز نظرية «العقل الممتد»، التي ترى أن العقل يتجاوز «حدود الجلد والجمجمة»، بحيث يرتبط الدماغ البيولوجي بالتكنولوجيا والأماكن والأشخاص الذين يتفاعل معهم. ووفقًا لهذا المنطق، فإن التفويض المعرفي إلى هاتفي يجعله جزءًا من عقلي.
أتصل بأصدقائي دون معرفة أرقامهم، أحدد مواعيد في التقويم لأدير مهام أكثر مما كنت سأتذكرها بنفسي. الارتباط الحميم بين دماغي وأجهزتي واضح وطبيعي.
يشير كلارك وتشالمرز إلى أن الدماغ ينمو بافتراض أننا سنستخدم أدوات ونتفاعل مع محيطنا، واللغة المكتوبة مثال بارز. ولكن عملية القراءة ليست مبرمجة في الجينوم الخاص بنا كما هي عملية الكلام، فقبل فترة قصيرة، كان أغلبنا أُميين. لكن مع تعلّم الأطفال القراءة والكتابة، تعيد المسارات العصبية المسؤولة عن معالجة المعلومات البصرية من العينين تنظيم نفسها، فتتكوّن منطقة متخصصة تُعرف بـ«منطقة شكل الكلمة المرئية»، تستجيب للكلمات المكتوبة أكثر من غيرها من الصور، وتقع على بُعد بوصة تقريبًا فوق الأذن اليسرى. هذه العملية تُعيد تشكيل الدماغ على المستوى العضوي. ومع تطوّر الأدوات التي نستخدمها، سواءً للأفضل أو الأسوأ، يبدو أن العقل يتبعها. خلال الأربعين سنة الماضية، تراجع عدد المراهقين الذين يقرؤون للمتعة يوميًا من 35% إلى 14%. في الوقت ذاته، انخفض أداؤهم في اختبارات التفكير النقدي والتعرّف على المصادر الموثوقة. وبعض دراسات علوم الدماغ المعرفي تشير إلى أن الانتقال من القراءة العميقة إلى استهلاك الوسائط السطحية، مثل الفيديوهات القصيرة، قد يعرقل نمو الدوائر العصبية المسؤولة عن القراءة. ورغم أن الأدلة ما تزال محدودة، فالعديد من الدراسات وجدت أن استهلاك الفيديوهات القصيرة يؤثر سلبًا على الانتباه، وهو تأثير وصفه البعض أحيانًا بـ«دماغ تيك توك».
يقول نيد بلوك، زميل تشالمرز في نيويورك، إن فرضية العقل الممتد كانت خاطئة عند طرحها في التسعينيات، لكنها أصبحت صحيحة الآن. لكي يرتبط الدماغ بموارد خارجية، يقول المؤلفون، فإنه يجب أن تكون تلك الأدوات متاحة بشكل موثوق مثل الدماغ نفسه. وقتها، بحسب النقاد، كانت أمثلة كلارك وتشالمرز على نظرية العقل الممتد، مثل استخدام الفيلوفاكس (دفتر الملاحظات) لتدوين الملاحظات والتذكيرات، مبالغًا فيها.
ولكن اليوم، هاتفي هو أول ما ألمسه بعد الاستيقاظ من النوم، وآخر ما ألمسه قبل النوم، ونادرًا ما يكون بعيدًا عني، سواء كنت بالعمل أم خارجه. بعد عام على إطلاق أول آيفون ظهر مصطلح «Nomophobia» لوصف قلق الانفصال عن الهاتف.
في ورقتهما، يقدم كلارك وتشالمرز تجربة فكرية: تخيل معي شخصين، إنجا وأوتو، يسافران إلى نفس الوجهة المألوفة لهما. بينما تعتمد إنجا على ذاكرتها، يستخدم أوتو المصاب بمرض ألزهايمر دفتر ملاحظات يحمله معه (اليوم، يمكن تخيّل أوتو يستخدم هاتفه الذكي). «في الجوانب الجوهرية، حالة أوتو مثل حالة إنجا، المعلومة موجودة بشكل موثوق، يسهل الوصول إليها، ولها دور رئيسي في توجيه تفكير أوتو وأفعاله»، وهذا -برأيهم- يكفي.
بالطبع، إذا لم يكن مهمًا ما إذا كانت قدراتي المعرفية تعيش في جمجمتي أو في هاتفي الذكي، فلماذا أكلّف نفسي عناء استخدام عقلي أصلًا؟ يمكنني ببساطة أن أوكِل العمل إلى غيري، وأحافظ على المظاهر في المجتمع، وأترك عقلي يضمر بسلام.
الآثار الجانبية المحتملة لمفهوم «العقل الممتد» يصعب دراستها، فاعتمادنا على الأدوات الرقمية حديث نسبيًا، والأدوات المتاحة لعلماء الأعصاب لرصد نشاط الدماغ البشري لا تزال غير دقيقة ومحصورة ضمن المختبرات. لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى واقع مزعج بقدر ما هو بديهي: السماح للأجهزة الرقمية بالتفكير عنّا قد يضعف قدرتنا على التفكير بأنفسنا.
لماذا نفوّض الجهد الفكري؟
بشكل عام لا يحب البشر التفكير كثيرًا. تحليل حديث لـ170 دراسة شملت 29 دولة و358 مهمة تتنوع بين تعلم استخدام تقنية جديدة إلى ممارسة الجولف وجد أن الناس يشعرون بإحباط وتوتر أكبر عند بذل جهد عقلي أعلى. وعندما تسنح الفرصة، يذهب الإنسان وفأر المختبر على حد سواء اتجاه الخيار الأقل مقاومة، لدرجة أن المشاركين البشر في الدراسات فضلوا الضغط بقوة على كرة أو التعرض لعصا ساخنة في سبيل تفادي بذل مجهود فكري.
ومع ذلك، يختار الناس أحيانًا المهام المعقدة للمتعة. العمل الجاد غالبًا ما يؤدي إلى نجاحات مثل الترقية أو حل مشكلة طارئة. وعندما يكافأ الجهد الفكري، يتعلم الناس كيفية تقديره، حتى لو لم يكن هناك مكافأة فورية واضحة.
العالم يعطينا أسبابًا كثيرة لجعلنا نعمل بذكاء لا بجهد. الضغوط الخارجية مثل المواعيد النهائية أو المنافسة القوية تضطرنا لتقسيم مواردنا العقلية. ومتطلبات الرأسمالية الدائمة تدفع العقل للاعتماد على التخزين السحابي، والتذكيرات، وبوتات الدردشة.
تقول جوليا سواريس، أستاذة مساعدة في علوم الإدراك في جامعة ولاية ميسيسيبي، إن ميلنا هذا يتماشى مع المفهوم القديم لمبدأ العلم الاجتماعي المعروف بـ«البُخل المعرفي». «الناس يصبحون بخلاء بشكل طفيف مع مواردهم المعرفية، [خاصة] عندما يعتمدون على الأجهزة الرقمية». ولهذا، بدل بناء قوائم المهام المشتتة لي في ذهني، أختار وضع تذكيرات وتنبيهات في التقويم لكل الأحداث باستثناء تنظيف أسناني.
وهذه العادة تُعرف باسم «تفريغ النوايا»، أي استخدام أدوات خارجية لمساعدتنا على تذكر ما نريد فعله لاحقًا. قد تكون هذه الأدوات بسيطة، مثل ترك طرد بجانب الباب لتتذكر إعادته. وقد تكون رقمية وأكثر استقلالية، مثل أحداث متكرّرة في «غوغل كالندر» أو تذكيرات على «سلاك» في العمل. في كل الأحوال، «يمكننا ملاحظة المعلومات وهي تختفي من أدمغة الناس بمجرد معرفتهم أنها محفوظة أيضًا في مكان خارجي»، كما قال سام غيلبرت، عالم الأعصاب الإدراكي في كلية لندن الجامعية.
قبل عقد، قامت مجموعة غيلبرت بتجربة طُلب فيها من أشخاص أن يتذكروا مهمة عليهم القيام بها بينما يستلقون داخل جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI). في ظروف مختلفة، كان عليهم إما محاولة تذكرها بأنفسهم أو أن يُطلب منهم ضبط تذكير خارجي. وقد لاحظ غيلبرت أن نشاط الدماغ في الجزء من القشرة أمام الجبهية، الذي يعكس عادةً الخطط المستقبلية، قد انخفض بشكل ملحوظ عند استخدام تذكير خارجي. يقول غيلبرت «قد يبدو ذلك مخيفًا، لكنني أعتقد أن هذا بالضبط ما ينبغي أن يكون عليه الأمر. فبمجرد أن تعرف أن المعلومات محفوظة خارج الدماغ أيضًا، يمكنك أن تستخدم دماغك لشيء آخر».
يبدو أن أمرًا مشابهًا يحدث عندما يتبع الناس الاتجاهات خطوة بخطوة بدلًا من أن يتنقّلوا بأنفسهم. فشبكات الخلايا في الحُصين الخلفي -وهو جزء من منطقة في الدماغ على شكل فرس البحر، معروفة بدورها في الذاكرة والملاحة- تُشكّل خريطتنا الذهنية للعالم. وهذه الخريطة تنمو حرفيًا مع الممارسة. فسائقو سيارات الأجرة، الذين عليهم أن يحفظوا جميع المسارات الممكنة عبر عشرات الآلاف من الطرق للحصول على رخصتهم، يمتلكون حُصينًا خلفيًا أكبر وأكثر تطورًا مقارنة بسائقي الحافلات ، الذين يكتفون باتّباع مسارات محددة مسبقًا.
أتذكر في طفولتي أنني كنت أشاهد والديّ يطبعان تعليمات «ماب كويست» ويحفظانها قبل الانطلاق في رحلة طويلة بالسيارة. أمّا حين حان دوري للجلوس خلف المقود، فكان لدي هاتف ذكي مزوّد بنظام تحديد المواقع (GPS). كسائق مبتدئ، تركت هاتفي يتولّى مهمة الإرشاد بينما انشغلت أنا بالغناء. ولعلّه ليس من قبيل الصدفة أن إحساسي بالاتجاهات اليوم سيّئ للغاية؛ فلا أستطيع تذكّر مكان ركن السيارة، وأي التفاف صغير أو نفاد بطارية الهاتف قد يجعلني أسلك الطريق الأقل ارتيادًا عن طريق الخطأ.
من المرجّح أن الحُصين الخلفي عندي لا يضمر حقًا -فـ«الملاحة» التي يشارك فيها تمتد إلى سيناريوهات أكثر تجريدًا، مثل التنقّل في شبكات التواصل الاجتماعي- لذلك فإن التحرر المعرفي الذي يوفّره نظام تحديد المواقع يبدو لي ثمنًا يستحق الدفع. لا أشعر أن الملاحة جزء جوهري من هويتي، ولهذا فأنا مستعد لتفويضها. لكن التكنولوجيا الجديدة أصبحت تأخذ مكان عمليات تفكيرنا، ولذلك من المهم أن ندرس بعناية عواقب التخلّي عن السيطرة، حتى لا نفقد ما نعتز به فعلًا.
هل تضعف الأجهزة ذكاءنا؟
في عام 2004، قال سيرجي برين، أحد مؤسسي غوغل: «بالتأكيد إذا كان لديك كل معلومات العالم مربوطة مباشرة إلى دماغك، أو دماغ صناعي أذكى من دماغك، ستكون بحال أفضل».
وهذا هو العالم الذي نعيش فيه اليوم، ولكن ليس واضحًا أننا أفضل حالًا. في وقت كتابتي لهذا المقال لدي القدرة على الإجابة عن أي سؤال يمكن تخيله، بفضل أحد الحواسيب القوية الموجودة أمامي. يتيح لي الإنترنت الوصول لبحر من المعلومات، والبحث من خلال الذكاء الاصطناعي ينقذني من عناء الخوض في هذا البحر. كل المعرفة التي نحتاجها موجودة في مراكز البيانات، مما يجعل تخزينها في دماغي يبدو ترفًا غير ضروري.
كما كتب نيكولاس كار في مجلة «ذا أتلانتيك» قبل 17 عامًا، عندما كان جوجل شريكنا المعرفي الرئيسي، «عقلي يتوقع أن يمتص المعلومات كما يوزّعها الإنترنت: كجسيمات سريعة. في الماضي كنت غواصًا في بحر المعلومات، الآن أنا أتزلج على سطحه».
بعد ذلك، نُشرت دراسة في المجلة الأكاديمية المرموقة «ساينس» تقول إن غوغل يجعلنا أقل ذكاءً. وجد الباحثون أن توقع وصولنا المستقبلي للمعلومات -وهو ما يحصل عندما يكون الإنترنت في جيبنا- يخفض قدرتنا على التذكّر وحل المشكلات بشكل مستقل.
وقد أثار ذلك نقاشات أوسع حول ما يسميه بعض الخبراء «الخرف الرقمي»، وهو في جوهره المصطلح الأكاديمي لـ«تعفّن الدماغ»: النظرية التي تقول إن الإفراط في استخدام الأجهزة الرقمية يفتت القدرات المعرفية. بل إن مجموعة من الباحثين الكنديين نشرت ورقة بحثية تتنبأ بأن الإفراط في وقت الشاشة سيؤدي إلى ارتفاع هائل في معدلات مرض ألزهايمر وأنواع الخرف المرتبطة به بحلول عام 2060.
ولكن دراسات طويلة المدى مع كبار السن أظهرت أن استخدام الهواتف لمساعدتهم على التذكر يقلل فعليًا من خطر الإصابة بالخرف. التكنولوجيا التي تُأتمت المهام المتكررة والعادية، والتي تعاني منها أدمغتنا على أي حال، ليست المشكلة. ما يجب علينا أن نقلق بشأنه هو التخلي عن استقلالنا الفكري من خلال جعل الأجهزة تفكر نيابة عنا وليس معنا. وهذا تمامًا ما يبدو أنه يحدث مع الذكاء الاصطناعي.
قبل عشرة أعوام، أظهرت سلسلة من التجارب قادها ماثيو فيشر، وهو الآن أستاذ في التسويق في كلية كُوكس للأعمال بجامعة ساوثرن ميثوديست، أن الأشخاص الذين يبحثون عن المعلومات على الإنترنت يشعرون بأنهم أذكى مما هم عليه في الواقع. ويشتبه فيشر أن السبب في ذلك هو أن البحث التقليدي على الإنترنت، عبر متابعة الروابط والعثور العَرَضي على المعلومات، يمنح إحساسًا وكأنه امتداد لمسار التفكير الداخلي للشخص. لكن من المهم أن تعرف ما الذي لا تعرفه.
الطابع الحواري لبوتات الذكاء الاصطناعي يرسم حدًا نفسيًا واضحًا لا تفعله عمليات البحث التقليدية على الويب. بينما يبدو الإنترنت امتدادًا للعقل، «عندما أتحدث إلى تشات جي بي تي، لا أشعر أنه جزء مني. وإنما أنني أتحدث إلى ما يشعرني بجهلي»، يقول فيشر.
إن إدراك الذكاء الاصطناعي ككيان منفصل عنا يمكنه نظريًا أن يلهمنا للتشكيك في إجاباته. لكن إذا تعاملنا معه كنبي، كما يفعل الكثيرون، فقد نعتمد عليه بشكل أعمى. ما إن أُطلِق تشات جي بي تي حتى بدأ الطلاب يقدّمون مقالات كتبها الذكاء الاصطناعي مليئة بمراجع مختلَقة. وأدوات التوظيف المدعومة بالذكاء الاصطناعي تراجع بانتظام طلبات عمل مُنشأة بالذكاء الاصطناعي، بل إن بعض الأطباء يستخدمون تشات جي بي تي في ممارساتهم، رغم أن قدرته على الاستشهاد بالمصادر ليست دائمًا موثوقة.
هذا التوازن بين الحفاظ على نزاهتنا المعرفية والاستفادة من التكنولوجيا يستولي على أماكن العمل، حيث العقل وحده نادرًا ما يكفي.
ما هي الموازنة الحقيقية هنا؟
في علم الاقتصاد هناك ما يُعرف بـ«مفارقة جيفونز»: الفكرة القائلة إن زيادة الكفاءة تؤدي إلى زيادة الاستهلاك. وعند تطبيقها على الذكاء الاصطناعي، فهي تشير إلى أن الأدوات الرقمية كلما جعلت العمّال أكثر كفاءة، زاد الطلب على عملهم. ومع توفّر الفرصة لتوسيع عقولنا من خلال مسارات العمل المؤتمتة والذكاء الاصطناعي التوليدي، فإننا سننتهزها. ومع تقدّم التكنولوجيا، تتوسع التوقعات لتتماهى معها، تاركة إيانا أمام متطلبات أساسية أعلى.
ولمجاراة متطلبات وظيفة في قطاع المعرفة في عام 2025، لا يكفي الاعتماد على العقل وحده. فمعيار الإنتاجية تغيّر جذريًا في السنوات الأخيرة. غرف الأخبار محدودة الموارد، على سبيل المثال، تطلب من الصحفيين ألا يقتصر عملهم على التغطية والكتابة، بل أن يشمل أيضًا التدقيق في الحقائق، ومتابعة التوجهات، والحفاظ على علامة شخصية عبر منصات متعددة. ويواجه مهندسو البرمجيات مواعيد متزايدة الضيق ضمن دورات العمل، بينما يبتكرون في الوقت نفسه الأدوات التي تُعيد تشكيل وظائفهم. وفي مختلف المجالات، لا تستطيع حدود المعالجة في الدماغ البشري أن تنافس التوقعات المستمرة للتوافر الدائم، والاسترجاع الفوري للمعلومات، والإنتاج المتواصل للمحتوى.
الإصرار على تفادي هذه الأدوات الموجودة أمامك قد يعني عدم مواكبة التوقعات المتزايدة. يقول فيشر: «إذا زرت طبيبي، لا أريده أن يعتمد فقط على ذاكرته. أريده أن يستفيد من كل الموارد المتاحة للوصول للإجابة الصحيحة».
في المواقف الحرجة، إعطاء الأولوية للدقة على حساب الاعتماد على المعرفة الذاتية أمر بديهي. والآن يصبح السؤال فقط أين نرسم الخط؟
بعض المهام، مثل حفظ أرقام الهواتف تخلّينا عنها بسهولة ومن دون كثير تفكير. لكن الصبر والتركيز اللازمين لحل المشكلات الصعبة يبدوان أمرًا يستحق التمسك به. عندما كنت طفلًا، كنت أستطيع الجلوس وقراءة كتاب لساعات من غير أن أفكر حتى في النهوض. أمّا الآن، فلا أكاد أتمكّن من قراءة مقال إخباري من 800 كلمة من دون أن أشعر بدافع جسدي لفحص «إنستغرام». كما أصبح من الصعب إقناع نفسي بأن حلّ مشكلة صعبة يستحق بذل جهد عندما يمكن إيجاد حلول سهلة من خلال كبسة زر. لماذا أكلف نفسي العناء في كتابة منشور على لينكد إن عن ترقيتي، بينما يمكن للذكاء الاصطناعي عمل ذلك بطريقة أسرع وربما أفضل؟ فالجميع يفعل ذلك.
لكن تخصيص الوقت لمصارعة الأفكار الصعبة بنفسك «يمكن أن يمنحك رؤى أو زوايا مفاجئة لم تكن لتتوفّر لك بغير ذلك»، كما قال فيشر. فعلى سبيل المثال، وضع القلم على الورق، رغم أنه شكل من «تفريغ النوايا» التناظري بحد ذاته، «يزيد بشكل هائل قدرتي على التفكير لأنه يخلق تغييرًا في العالم: أي الكلمات المكتوبة على الصفحة أمامي»، تقول سواريس.
الروابط التي نعقدها بين مفاهيم تبدو غير مرتبطة غالبًا ما تأتي ونحن نستحم أو في نزهة وحدنا مع أفكارنا الهائمة. وهذا لا يمكن أن يحدث حين تعيش المعلومات في مكان آخر. وقد حذّرت سواريس من أنه ينبغي أن نكون واعين حيال السماح للتكنولوجيا بأن «تسلب منا شيئًا ما لم نكن لنتخلّى عنه أصلًا» مثل شرود الذهن.
عندما تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي بوعي وانتباه، يمكنك أن تجني فوائدها من دون أن تفرّط في سلامتك الإدراكية. يشبه ذلك بيئة الطعام في عصرنا الحالي: نظريًا، لدينا وصول غير مسبوق إلى خيارات صحية، لكن ذلك مشروط بأن تكون مطّلعًا ومتعمّدًا في اختياراتك، وغالبًا أيضًا ميسور الحال. غير أن بيئة الطعام -مثل بيئة الأدوات الرقمية- مصمَّمة لدفعك نحو الخيارات الأكثر إغراءً وسهولة في الإنتاج، والتي لا تكون في الغالب الأفضل لك فعليًا.
قد تكون القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي بانتقائية، من دون أن تفقد السيطرة على عقلك، امتيازًا نخبويًا. فبينما تملك الأسر الأكثر ثراءً عادةً أجهزة رقمية أكثر، يقضي المراهقون الفقراء وقتًا أطول على أجهزتهم مقارنة بأقرانهم من العائلات الميسورة. ويبدو أنه كلما زاد وصول الناس إلى التكنولوجيا، ازدادت قدرتهم على تقييد ذلك الوصول. وقد ينطبق الأمر نفسه على الذكاء الاصطناعي: فبينما يكون الأشخاص ذوو الدخل والتعليم الأعلى أكثر وعيًا بأمثلة استخدام الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، وجدت دراسة نُشرت في وقت سابق من هذا العام أن الأشخاص الأقل تعليمًا هم أكثر ميلًا للثقة العمياء بالذكاء الاصطناعي. وكلما ازدادت ثقة الناس بالذكاء الاصطناعي، ازدادت احتمالية أن يسلّموه عبء عملهم الذهني من دون عناء تقييم النتيجة. وكما كتب الباحثون: «تُنتج هذه الثقة اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي في المهام المعرفية الروتينية، مما يقلّل من حاجة الأفراد إلى الانخراط العميق مع المعلومات التي يعالجونها».
لن نعرف ما ستفعله أجهزتنا بأدمغتنا لسنوات، لأننا نفتقد الأدوات المطلوبة لذلك في علم الأعصاب، ولم تمرّ فترة زمنية كافية على هذه الظاهرة كي تتمكن الدراسات من متابعتها. لكن لدينا حدس بما تفعله بأذهاننا، وهو ليس مطمئنًا.
قد لا يكون الخطر الحقيقي في أننا نفوّض قدرًا مفرطًا من التفكير، بل أننا نتنازل عن قدرتنا على تقرير أي الأفكار تستحق التفكير أصلًا.
عن حبر











































