لم يكن فوز المنتخب المغربي للشبان على نظيره الأمريكي (3-1) في ربع نهائي كأس العالم لأقل من 20 سنة مجرد انتصار رقمي يقود إلى نصف النهائي، بل كان درساً عملياً في النضج التكتيكي والذكاء الذهني، يُبرز ملامح جيل كروي واعد يترجم التحول العميق الذي تعرفه كرة القدم المغربية في السنوات الأخيرة.
منذ صافرة البداية، بدا واضحاً أن المنتخب الأمريكي دخل المواجهة بنية السيطرة والضغط العالي، معتمداً على القوة البدنية والسرعة في نقل الكرة.
غير أن المغاربة أظهروا تماسكاً دفاعياً نادراً في هذا المستوى العمري، فكان خط الظهر بقيادة باعوف وبختي سداً منيعاً أمام المحاولات الأمريكية المتكررة. هذا الصمود الدفاعي لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة عمل جماعي منظم ووعي تكتيكي جعل المنتخب المغربي يتحكم في إيقاع المباراة رغم فترات الضغط.
التحول الأول في اللقاء جاء من قراءة ذكية للمدرب محمد وهبي، الذي سمح للاعبيه بالاعتماد على المرتدات السريعة عبر الأطراف، وهو ما أثمر الهدف الأول بتوقيع فؤاد زهواني بعد تمريرة متقنة من عثمان معما. هنا برزت الواقعية المغربية في أبهى صورها: القليل من الحيازة، لكن الكثير من الفعالية.
في المقابل، بدا المنتخب الأمريكي متسرعاً في بناء الهجمات، مع اعتماد مفرط على العرضيات وضربات الزوايا، بينما ظل الحارس يانيس بنشاوش متألقاً بثقة كبيرة أمام الموجات الهجومية المتكررة.
ورغم التعادل الأمريكي في نهاية الشوط الأول، فإن ردة فعل المغاربة في الشوط الثاني جسدت شخصية فريق يعرف ما يريد.
الهدف الثاني كان تتويجاً لروح الانضباط والتكافل بين الخطوط، قبل أن يُجهز ياسين جاسم على آمال الأمريكيين بهدف ثالث يؤكد النضج الذهني للمجموعة.
فبدلاً من التراجع الكلي، اختار وهبي رفع الضغط الهجومي في اللحظات الأخيرة، كأنه يرفض فكرة الدفاع من أجل النجاة، بل أراد الانتصار بتوقيع مغربي خالص.
هذا الفوز لا يمكن قراءته فقط في بعده الرياضي، بل يعكس كذلك نجاح مشروع تكوين طويل المدى أطلقته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم منذ سنوات.
فجيل الشبان هذا يُظهر أن مدرسة محمد السادس لكرة القدم لم تعد تُخرّج لاعبين فقط، بل تُنتج شخصيات رياضية قادرة على التعامل مع ضغط المنافسة العالمية بثقة واتزان.
في النهاية، أثبت أشبال الأطلس أن كرة القدم الحديثة لا تُكسب بالقوة البدنية ولا بالنجوم الفردية، بل بقدرة الفريق على التفكير ككتلة واحدة، تتوازن فيها الجرأة الدفاعية مع الذكاء في التحول الهجومي. إنها واقعية مغربية جديدة، تمزج بين الحماس الشبابي والانضباط التكتيكي… واقعية كتبت فصلاً آخر من الحلم المغربي في سماء كأس العالم للشباب.








































