أثار تحقيق صحافي فرنسي نُشر في 10 أكتوبر الجاري جدلاً بشأن مدى امتثال شركة «إير فرانس» لتعليمات إسرائيلية تفرض قيوداً على جنسيات أفراد أطقم الطيران المسموح لهم بدخول المجال الجوي الإسرائيلي، بما يشمل موظفين يحملون جنسيتين، إحداهما فرنسية والأخرى لدولة لا تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية رسمية.
وبحسب التحقيق، الذي كشف عن مذكرة داخلية وجهتها الشركة إلى الطيارين وأفراد أطقم الضيافة، فإن التعليمات المنقولة عن وزارة النقل الإسرائيلية تشترط ألا يحمل أي فرد من الطاقم يدخل المجال الجوي الإسرائيلي جنسية دولة لا تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، حتى إذا كان يحمل إلى جانبها جنسية أخرى.
ولا تقتصر هذه القيود، وفق المعطيات الواردة في التحقيق، على الرحلات التي تهبط في المطارات الإسرائيلية، بل تمتد إلى الطائرات التي تعبر المجال الجوي للبلاد، وهو ما قد ينعكس على توزيع المهام والرحلات داخل الشركة.
وتشمل قائمة الجنسيات المعنية، وفق ما أوردته وسائل إعلام تناولت التحقيق، الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، إلى جانب دول أخرى، من بينها أفغانستان والسعودية وبنغلادش وإندونيسيا وإيران والعراق ولبنان وماليزيا وباكستان وقطر وعُمان وسوريا واليمن. كما تضم القائمة دولاً غير عربية، مثل كوبا وكوريا الشمالية وكولومبيا وفنزويلا، ويبلغ مجموعها 31 دولة.
وبموجب هذا المعيار، قد يجد موظفون يحملون الجنسية الفرنسية إلى جانب الجنسية الجزائرية أو التونسية، على سبيل المثال، أنفسهم خاضعين للقيود ذاتها بسبب جنسيتهم الثانية، رغم امتلاكهم الجنسية الفرنسية. ويطرح ذلك تساؤلات بشأن انعكاسات هذه التعليمات على فرص إسناد الرحلات والمهام المهنية إلى العاملين مزدوجي الجنسية.
وجاءت هذه التطورات عقب حادثة شهدتها رحلة تابعة لشركة «فلاي دبي» بين دبي وتل أبيب في 30 شتنبر الماضي. ووفق بيان للنيابة العامة الإماراتية نقلته وكالة «رويترز» في 9 أكتوبر، خطط مساعد طيار عُماني للاستيلاء على الطائرة والاصطدام بمبنى ركاب في مطار بن غوريون.
وأفادت المعطيات الواردة بشأن الحادثة بأن مساعد الطيار هاجم قائد الطائرة بفأس مخصصة للطوارئ أثناء التحليق فوق السعودية، قبل أن تتم السيطرة عليه. وتمكن طياران آخران كانا على متن الرحلة من الهبوط بالطائرة بأمان في السعودية، بعد إحباط المحاولة.
وفي حين يربط التحقيق بين الحادثة وتشديد الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بأطقم الطيران الأجنبية، فإن اعتماد الجنسية معياراً للاستبعاد يفتح نقاشاً أوسع بشأن مدى تناسب هذه القيود، خصوصاً عندما تشمل أشخاصاً يحملون الجنسية الفرنسية ويعملون لدى شركة فرنسية.
وتزداد حساسية القضية في ضوء ما قد تثيره من تساؤلات حول المساواة في المعاملة داخل بيئة العمل، وحدود استجابة الشركات لتعليمات صادرة عن سلطات أجنبية، ولا سيما عندما تكون لهذه التعليمات انعكاسات محتملة على المسار المهني للموظفين بسبب أصولهم الوطنية أو جنسيتهم الثانية.
وقد امتد الجدل إلى الساحة السياسية الفرنسية، إذ ندد الأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي، فابيان روسيل، بما اعتبره تدخلاً أجنبياً يفرض تمييزاً داخل شركة استراتيجية. كما انتقد النائب توماس بورت امتثال «إير فرانس» للمطالب الإسرائيلية، فيما اتهمت النائبة الأوروبية ريما حسن الشركة بالتمييز ضد موظفيها استجابة لهذه التعليمات.
وبين الاعتبارات الأمنية التي تستند إليها السلطات الإسرائيلية والاعتراضات المرتبطة بالمساواة المهنية، تضع القضية «إير فرانس» أمام نقاش حساس بشأن كيفية التعامل مع القيود المفروضة على أطقمها، وحدود التوفيق بين متطلبات تشغيل الرحلات واحترام حقوق العاملين








