*- بقلم* : فؤاد بوجبير
باحث في علوم التدبير والاقتصاد، متخصص في السياسات العمومية
*مقدمة*
لا تنهض الدول فقط بفضل قوة مؤسساتها أو حجم استثماراتها، بل تنهض أساسًا بجودة الفكر الذي يوجّه قراراتها، وبنوعية النخب التي تتولى تدبير شؤونها. لذلك، لم يكن غريبًا أن يعتبر أرسطو السياسة أسمى الفنون، لأنها تتعلق بتنظيم حياة الناس وتحقيق الخير العام، وأن يؤكد ابن خلدون أن العمران لا يقوم إلا بالعدل، وأن الدولة لا تستقر إلا إذا ارتبطت السلطة بخدمة المجتمع لا بخدمة نفسها.
وفي المغرب، الذي يقود منذ أكثر من ربع قرن أوراشًا إصلاحية كبرى تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى أحزاب سياسية قوية بفكرها، قادرة على مواكبة هذه التحولات، وتأطير المجتمع، وإنتاج النخب، وصياغة السياسات العمومية التي تستجيب للتحديات الوطنية والدولية.
غير أن المتتبع للحياة السياسية يلاحظ، في كثير من الأحيان، أن النقاش الحزبي لم يعد يدور حول المشاريع المجتمعية الكبرى بقدر ما أصبح ينصب على التحالفات، والمواقع، والحسابات الانتخابية. وهنا يطرح سؤال جوهري : هل ما زال الفكر السياسي يقود الأحزاب، أم أصبحت الأحزاب تقودها حسابات السلطة؟
*- السياسة ليست سباقًا نحو السلطة*
لا يختلف اثنان في أن الوصول إلى المؤسسات المنتخبة شرط أساسي لتنفيذ البرامج والإصلاحات، لأن السلطة التنفيذية أو التدبيرية تمنح إمكانية اتخاذ القرار. غير أن الإشكال يبدأ عندما تتحول السلطة إلى غاية في حد ذاتها، ويصبح الفوز في الانتخابات أهم من جودة المشروع السياسي.
لقد ميز عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بين من يعيش من أجل السياسة ومن يعيش بفضل السياسة. الأول يرى في المسؤولية التزامًا أخلاقيًا تجاه المجتمع، أما الثاني فيجعلها وسيلة للنفوذ وتحقيق المصالح.
وهذا التمييز يطرح سؤالًا مهمًا في السياق المغربي: هل أصبحت المنافسة السياسية تدور حول خدمة المشروع الوطني، أم حول احتلال المواقع داخل المؤسسات؟
إن السياسة، في جوهرها، ليست صراعًا على السلطة، بل وسيلة لتحقيق التنمية، وتدبير الشأن العام، والمساهمة في تنزيل الإصلاحات الكبرى التي تعرفها المملكة.
*- عندما يتراجع الفكر وتتقدم الحسابات*
لقد كانت الأحزاب المغربية، في مراحل تاريخية مختلفة، فضاءات للنقاش الفكري، ومدارس لتكوين الأطر، ومختبرات لإنتاج المشاريع المجتمعية. وكانت المرجعيات الفكرية والإيديولوجية تشكل عنصرًا أساسيًا في التمييز بين الأحزاب.
أما اليوم، فيلاحظ كثير من الباحثين أن هذا التمايز أصبح أقل وضوحًا لدى جزء من المشهد الحزبي، مقابل صعود منطق التدبير الانتخابي والتحالفات الظرفية.
وقد نبه المفكر المغربي محمد عابد الجابري إلى أن أزمة العالم العربي هي، في جانب منها، أزمة عقل سياسي لم ينجح دائمًا في تجديد أدواته ومفاهيمه. كما أكد عبد الله العروي أن بناء الدولة الحديثة لا يتحقق بالنصوص وحدها، بل يحتاج إلى ثقافة سياسية تقوم على العقلانية، والمؤسسات، والكفاءة.
وعندما يتراجع إنتاج الفكر داخل الأحزاب، تصبح البرامج متشابهة، ويصعب على المواطن التمييز بين المشاريع، فتضعف الثقة في العمل السياسي.
*- السؤال الذي يقلق الرأي العام*
لعل أكثر الأسئلة تداولًا بين المواطنين اليوم ليس من سيفوز في الانتخابات، وإنما: كيف يتم اختيار النخب السياسية داخل بعض الأحزاب؟
كيف يمكن أن يصل، في بعض الحالات، أشخاص لا يتوفرون على تجربة واضحة في تدبير المؤسسات أو الملفات الاستراتيجية، ولا على رصيد فكري أو علمي بارز، إلى مواقع قيادية داخل أحزاب تقدم نفسها باعتبارها حاملة لمشاريع حداثية وديمقراطية؟
هذا السؤال لا يعني أن جميع الأحزاب أو جميع القيادات تعاني المشكلة نفسها، فالساحة السياسية المغربية تزخر أيضًا بكفاءات وطنية مشهود لها. لكنه سؤال مشروع حول المعايير التي ينبغي أن تحكم إنتاج النخب.
*- ماذا تقول نظريات النخبة؟*
قدم عالم الاجتماع الإيطالي فيلفريدو باريتو نظرية تداول النخب، مؤكدًا أن المجتمعات التي تعجز عن تجديد نخبها تدخل تدريجيًا في حالة من الجمود.
أما غايتانو موسكا فاعتبر أن كل مجتمع تحكمه أقلية منظمة، لكن قوة الدولة ترتبط بجودة هذه الأقلية، لا بمجرد وجودها.
ثم جاء روبرت ميخلز ليطرح نظريته الشهيرة حول القانون الحديدي للأوليغارشية، حيث يرى أن التنظيمات السياسية تميل، مع مرور الزمن، إلى تركيز السلطة في يد مجموعة محدودة، فتتراجع معايير الكفاءة لصالح الولاء والانضباط التنظيمي.
ومن زاوية مختلفة، يوضح بيير بورديو أن الوصول إلى مواقع القرار لا يعتمد دائمًا على الكفاءة وحدها، بل قد يتأثر أيضًا بشبكات العلاقات والرأسمال الاجتماعي والرمزي.
هذه النظريات لا تقدم أحكامًا على حالة بعينها، لكنها تمنح أدوات لفهم ظواهر قد تظهر في مختلف الأنظمة الحزبية عندما تضعف آليات التجديد والتقييم.
*- الأحزاب بين النص الدستوري والواقع*
أسند الدستور المغربي للأحزاب السياسية وظيفة نبيلة، تتمثل في تأطير المواطنات والمواطنين، وتعزيز مشاركتهم في الحياة العامة، والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين.
غير أن القيام بهذا الدور يقتضي أحزابًا تمتلك مراكز للتفكير، وبرامج للتكوين، وآليات شفافة لاختيار القيادات، وديمقراطية داخلية حقيقية.
فالحزب الذي يتحول إلى آلة انتخابية فقط، يفقد تدريجيًا وظيفته الفكرية، ويصبح حضوره مرتبطًا بالمواعيد الانتخابية أكثر من ارتباطه بإنتاج السياسات العمومية.
*- المغرب يحتاج إلى أحزاب تنتج المعرفة*
إن التحديات التي تواجه المملكة اليوم تختلف جذريًا عن تحديات الماضي. فالذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والأمن المائي، والسيادة الصناعية، وإصلاح التعليم، والانتقال الطاقي، كلها ملفات معقدة تحتاج إلى كفاءات تمتلك رؤية استراتيجية ومعرفة علمية وخبرة في تدبير المشاريع الكبرى.
ولذلك، فإن الحزب السياسي في المستقبل ينبغي أن يتحول إلى مؤسسة منتجة للمعرفة، تنشئ مراكز للدراسات، وتتعاون مع الجامعات، وتستثمر في تكوين الأطر، وتبني برامجها على الأدلة والمعطيات، لا على الشعارات.
*- نحو إصلاح حقيقي للحياة الحزبية*
إن تجديد الحياة السياسية لا يبدأ بتعديل القوانين الانتخابية فقط، بل يبدأ بإصلاح الثقافة الحزبية نفسها.
فالحزب الذي يريد استعادة ثقة المواطنين مطالب بأن يجعل الكفاءة معيارًا أول في تحمل المسؤولية، وأن يفتح المجال أمام الكفاءات الشابة والخبرات الوطنية، وأن يرسخ الديمقراطية الداخلية، وأن يخضع أداء مسؤوليه للتقييم والمحاسبة.
كما أن النقد المسؤول ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره فرصة للتطوير، لا تهديدًا للاستقرار. فالديمقراطية الحية لا تخشى الاختلاف، بل تعتبره مصدرًا للإبداع والتجديد.
*أي نموذج حزبي يحتاجه المغرب في أفق 2035؟*
إذا كان المغرب قد نجح، خلال ربع القرن الأخير، في إطلاق أوراش استراتيجية كبرى بقيادة جلالة الملك محمد السادس، فإن المرحلة المقبلة لن تكون أقل تعقيدًا. فالرهانات الجديدة، المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والسيادة الرقمية، والانتقال الطاقي، والأمن المائي والغذائي، وإصلاح التعليم، وتنافسية الاقتصاد الوطني، تفرض وجود نخب سياسية تمتلك رؤية استراتيجية، وتستوعب التحولات العالمية، وتتمكن من تحويلها إلى سياسات عمومية ناجعة.
ومن ثم، فإن السؤال لم يعد يتعلق فقط بمن سيفوز في الانتخابات، بل بمن يمتلك القدرة الفكرية والعلمية والأخلاقية لقيادة هذه المرحلة التاريخية.
لقد أصبحت الأحزاب، في مختلف الديمقراطيات، مطالبة بالانتقال من منطق التنظيم الانتخابي إلى منطق المؤسسة المنتجة للمعرفة. فالحزب الحديث لم يعد فضاءً للتعبئة السياسية فقط، بل أصبح مركزًا لإنتاج الأفكار، وتحليل التحولات، واستشراف المستقبل، واقتراح الحلول.
ومن هذا المنطلق، فإن تجديد الحياة الحزبية بالمغرب يقتضي، في تقديري، إحداث تحول عميق في فلسفة عمل الأحزاب، يقوم على خمس ركائز أساسية.
أولًا، إعادة الاعتبار للفكر السياسي، وذلك بإنشاء مراكز للدراسات والبحث داخل الأحزاب، تضم خبراء في الاقتصاد، والقانون، والاجتماع، والبيئة، والذكاء الاصطناعي، والعلاقات الدولية، حتى تصبح البرامج الانتخابية مبنية على المعرفة والمعطيات، لا على الشعارات.
ثانيًا، إصلاح منظومة إنتاج النخب، بحيث يصبح الوصول إلى المسؤولية مرتبطًا بالكفاءة، والخبرة، والنزاهة، والقدرة على الإنجاز، لا باعتبارات الولاء أو شبكات العلاقات أو التوازنات التنظيمية. فالأحزاب التي لا تستثمر في الكفاءات محكوم عليها بفقدان قدرتها على التأثير والإقناع.
ثالثًا، ترسيخ الديمقراطية الداخلية، لأن الحزب الذي لا يمارس الديمقراطية داخل مؤسساته يصعب عليه الدفاع عنها في المجتمع. فحرية النقاش، وتداول المسؤوليات، واحترام الرأي المخالف، ليست عناصر تنظيمية فقط، بل هي أساس بناء الثقة وإنتاج القرار الرشيد.
رابعًا، ربط المسؤولية بالتقييم المستمر، بحيث يصبح أداء المنتخب أو المسؤول الحزبي خاضعًا لمؤشرات واضحة تقيس الإنجاز، وجودة التدبير، ومدى احترام الالتزامات. فالمواطن لم يعد يكتفي بالخطاب السياسي، بل أصبح يقيس الأداء بالنتائج الملموسة.
خامسًا، الانفتاح على الجامعة والخبرة الوطنية، لأن الأحزاب لا يمكنها، بمفردها، احتكار المعرفة. فنجاح السياسات العمومية يقتضي الاستفادة من الباحثين، والخبراء، ومراكز التفكير، والكفاءات المغربية داخل الوطن وخارجه، وجعلهم شركاء في بلورة الرؤى والبرامج.
إن التجارب الدولية الناجحة تؤكد أن الأحزاب التي حافظت على تأثيرها لم تكن تلك التي امتلكت أكبر عدد من المنتخبين فقط، بل تلك التي امتلكت أفضل مراكز التفكير، وأقوى آليات التكوين، وأقدرها على استشراف المستقبل.
وفي المغرب، تبدو الحاجة اليوم أكبر من أي وقت مضى إلى أحزاب تتحول إلى مدارس لإعداد رجال ونساء الدولة، لا إلى فضاءات موسمية لإدارة الحملات الانتخابية. فإدارة الأوراش الوطنية الكبرى أصبحت تتطلب كفاءات متعددة التخصصات، قادرة على الجمع بين المعرفة الأكاديمية، والخبرة الميدانية، والرؤية الاستراتيجية، والالتزام الأخلاقي.
إن بناء مغرب 2035 لن يتحقق فقط عبر الاستثمار في البنيات التحتية أو التكنولوجيا أو الاقتصاد، بل أيضًا عبر الاستثمار في الإنسان، وفي النخب التي ستقود هذه التحولات. فالتاريخ يعلمنا أن قوة الدول لا تقاس فقط بثرواتها الطبيعية، بل بجودة مؤسساتها، وبنوعية نخبها، وبقدرتها على تجديد نفسها باستمرار.
ولذلك، فإن الإصلاح الحقيقي للحياة السياسية يبدأ من سؤال بسيط في صياغته، عميق في مضمونه: كيف يمكن للأحزاب المغربية أن تصبح مؤسسات لإنتاج الفكر والقيادة والكفاءة، بدل أن تقتصر وظيفتها على المنافسة الانتخابية؟
إن الجواب عن هذا السؤال قد يكون أحد المفاتيح الأساسية لبناء مرحلة جديدة من الممارسة السياسية، يكون فيها التنافس حول جودة الأفكار والسياسات، لا حول المواقع فقط، ويصبح فيها الحزب شريكًا استراتيجيًا للدولة في تحقيق التنمية، وتعزيز الثقة، وترسيخ الديمقراطية، وخدمة الصالح العام.
*خاتمة*
إن السؤال الحقيقي الذي يواجه الأحزاب المغربية اليوم ليس: كيف نربح الانتخابات؟ وإنما: كيف نستعيد الفكر السياسي؟ وكيف ننتج نخبًا قادرة على قيادة مغرب المستقبل؟
فالدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد، بل أيضًا بما تمتلكه من عقول. والأحزاب لا تُقاس بعدد مقاعدها فقط، بل بقدرتها على إنتاج الأفكار، وتأهيل القيادات، وصياغة السياسات العمومية التي تستجيب لتطلعات المواطنين.
وعندما يصبح معيار الاختيار هو الكفاءة، والاستحقاق، والنزاهة، والقدرة على الإنجاز، تستعيد الأحزاب رسالتها الدستورية، ويستعيد المواطن ثقته في العمل السياسي، وتصبح الديمقراطية المغربية أكثر قدرة على مواكبة الأوراش الكبرى التي تعرفها المملكة، وأكثر استعدادًا لبناء مغرب المستقبل، الذي يقوم على المعرفة، والكفاءة، والعدالة، وخدمة الصالح العام.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام جميع الفاعلين السياسيين: هل آن الأوان للانتقال من أحزاب تبحث عن السلطة إلى أحزاب تصنع الفكر، وتنتج النخب، وتقود التنمية؟ فالإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل الأحزاب وحدها، بل ستسهم في رسم ملامح المغرب الذي نريده للأجيال القادمة.









































