تتجه خريطة تشكيل الأغلبية الحكومية المقبلة نحو سيناريو سياسي مختلف عن التركيبة التي طبعت الولاية السابقة، بعدما أظهرت الإشارات الصادرة عن المجالس الوطنية للأحزاب، بالتزامن مع مشاورات تشكيل الحكومة، أن حزب الأصالة والمعاصرة، المتصدر للانتخابات بـ97 مقعداً، يبحث عن تركيبة تمنحه أغلبية مريحة، وفي الوقت نفسه تترك المعارضة موزعة وغير قادرة على تجميع كل أوراق القوة داخل البرلمان.
وإذا صحت المعطيات المتداولة عقب اجتماعات اليوم، فإن الأغلبية قد تتجه إلى ضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، بما مجموعه 236 مقعداً، مقابل معارضة تضم التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية وتحالف اليسار وعدداً من الأحزاب الصغيرة، بمجموع 134 مقعداً، مع إمكانية بروز كتلة ذات «مساندة نقدية» تضم الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية بـ25 مقعداً.
ولا تعني هذه الأرقام، في حد ذاتها، أن التركيبة حُسمت نهائياً، إذ أكدت المعطيات الرسمية والإعلامية حول مشاورات تشكيل الحكومة أن الحسابات العددية ليست العامل الوحيد، وأن المفاوضات والبرامج والمواقف والشروط السياسية للأحزاب تظل محددة في بناء الأغلبية.
لكن اللافت في السيناريو المتداول هو موقع التجمع الوطني للأحرار. فالحزب الذي احتل المرتبة الثانية بـ66 مقعداً بعد حصوله على الأغلبية خلال الولاية السابقة، قد يجد نفسه هذه المرة في صف المعارضة إذا استقر خيار «البام» على استبعاده من التحالف الحكومي. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن خروج الأحرار من الحكومة لا يعني بالضرورة خروجه من المعادلة السياسية، بل قد يحوله إلى أحد أكبر مكونات المعارضة إلى جانب العدالة والتنمية.
وفي المقابل، يبدو أن إدخال حزب التقدم والاشتراكية إلى الأغلبية، إذا تأكد، يحمل دلالة سياسية تتجاوز عدد مقاعده الـ19. فالحزب، بحكم خطابه وتجربته السياسية، يمكن أن يوفر للأغلبية مساحة للتعبير عن قضايا اجتماعية واقتصادية ذات حضور قوي داخل البرلمان، بما يسمح بتوسيع قاعدة الحكومة سياسياً وعدم حصرها في الأحزاب ذات المرجعيات والاختيارات المتقاربة.
كما يبرز حزب الحركة الشعبية، بقيادة محمد أوزين، باعتباره أحد العناصر المهمة في هذا السيناريو. فالحركة التي تتوفر على 29 مقعداً يمكن أن تشكل، في حال دخولها الأغلبية، مكوناً برلمانياً ذا حضور سياسي قوي في مواجهة معارضة تضم العدالة والتنمية والأحرار وتحالف اليسار. ويملك أوزين، بحكم تجربته السياسية وحضوره في النقاش البرلماني، قدرة على خوض سجالات سياسية مباشرة، وهو ما قد يجعل فريق الحركة أحد الأصوات البارزة داخل الأغلبية.
وهنا تظهر المفارقة السياسية التي قد تكون وراء إعادة ترتيب التحالفات: فالأغلبية المقترحة لا تقوم فقط على جمع 236 نائباً، وإنما قد تكون محاولة لبناء توازن داخل البرلمان بين مكونات ذات خلفيات سياسية مختلفة، مقابل معارضة تضم في صفوفها حزب العدالة والتنمية الذي عاد بقوة إلى البرلمان بـ54 مقعداً، إلى جانب التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً وتحالف اليسار بـ8 مقاعد. وقد أظهرت النتائج الرسمية أن العدالة والتنمية حقق عودة قوية مقارنة بنتيجته السابقة، بينما فقد الأحرار عدداً كبيراً من المقاعد مقارنة بانتخابات 2021.
ومن هذه الزاوية، فإن الرهان لا يتعلق فقط بمن يدخل الحكومة ومن يبقى خارجها، بل بطبيعة التوازن السياسي داخل مجلس النواب. فإذا تشكلت أغلبية من 236 مقعداً، فسيكون أمامها هامش عددي واسع لتمرير القوانين والبرامج الحكومية، بينما ستجد المعارضة نفسها مطالبة ببناء تنسيق سياسي وبرلماني يتجاوز الفوارق بين مكوناتها.
غير أن قوة المعارضة لا تُقاس بعدد المقاعد وحده، كما أن قوة الأغلبية لا تُقاس بالحساب العددي فقط. فالأداء البرلماني، والقدرة على تقديم البدائل، وإدارة النقاش العمومي، واستقطاب الرأي العام حول الملفات الاجتماعية والاقتصادية، كلها عوامل يمكن أن تغير موازين القوة داخل المؤسسة التشريعية.
وفي هذا السياق، سيكون وجود شخصيات سياسية ذات تجربة سجالية وبرلمانية، سواء داخل الحكومة أو المعارضة، عاملاً مؤثراً في طبيعة الولاية التشريعية المقبلة. وإذا انتقل الأحرار إلى المعارضة، ومعهم العدالة والتنمية وتحالف اليسار، فقد يشهد البرلمان مواجهة سياسية أكثر وضوحاً بين أغلبية واسعة ومعارضة متعددة المشارب.
وبذلك يبدو أن «البام» لا يبحث فقط عن أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة، بل عن هندسة جديدة للخريطة البرلمانية: أغلبية تضم الاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية إلى جانب الأصالة والمعاصرة، ومعارضة تضم الأحرار والعدالة والتنمية أساساً، مع ترك مساحة للأحزاب الصغيرة لتحديد موقعها من القوانين والسياسات الحكومية.
ويبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت هذه الهندسة ستتحول فعلاً إلى اتفاق سياسي نهائي، أم أن الأيام المقبلة ستعيد خلط الأوراق، خصوصاً أن المشاورات لم تنته بعد، وأن رئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري ما زالت أمامها مهمة تثبيت التحالفات وصياغة الأغلبية الحكومية وبرنامجها.
