لم يعد تراجع حضور اللاعب المحلي داخل المنتخبات الوطنية مجرد ملاحظة عابرة، بل تحول إلى مؤشر يكشف عن أزمة أعمق تعيشها البطولة الاحترافية المغربية.
فكلما أعلن عن قائمة جديدة للمنتخب، يتكرر السؤال نفسه: أين أبناء البطولة؟ ولماذا لم تعد الملاعب المغربية قادرة على تقديم لاعبين يصنعون الفارق كما كان الحال في أجيال سابقة؟
النجاحات التي حققتها كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى المنتخبات أو البنيات التحتية أو التنظيم، قد تخفي وراءها واقعاً مختلفاً داخل المنافسات المحلية.
فالبطولة التي كانت لسنوات طويلة مصنعاً للمواهب أصبحت اليوم تعاني من صعوبة إنتاج لاعبين قادرين على فرض أنفسهم في أعلى المستويات، وهو ما يعكس وجود خلل يتجاوز النتائج الأسبوعية إلى جوهر المنظومة الكروية.
أحد أبرز أسباب هذا التراجع يتمثل في غياب مشروع رياضي واضح داخل عدد كبير من الأندية. فالأولوية أصبحت لتحقيق نتائج سريعة، حتى وإن كان ذلك على حساب منح الفرصة للاعبين الشباب.
وفي كثير من الأحيان، يفضل المدرب الاعتماد على لاعب أكثر خبرة أو استقدام عناصر جاهزة، بدلاً من تحمل مسؤولية إشراك موهبة تحتاج إلى الوقت والثقة حتى تنضج. وبهذا الأسلوب، تضيع سنوات حاسمة من المسار الرياضي للاعبين الواعدين.
كما أن منظومة التكوين، رغم الاستثمارات التي عرفتها، لا تزال تعاني من فجوة بين مرحلة الإعداد ومرحلة الاحتراف. فإنتاج لاعب موهوب لا يكفي، بل يجب أن يجد بيئة تسمح له بالتطور واكتساب الخبرة عبر المشاركة المنتظمة في المباريات.
والواقع أن العديد من المواهب تتوقف مسيرتها عند الانتقال إلى الفريق الأول، حيث تصطدم بمحدودية فرص اللعب، فتتراجع وتيرة تطورها أو تبحث عن وجهات أخرى.
في المقابل، فرضت الأكاديميات الأوروبية نفسها كوجهة مفضلة للمواهب المغربية، مستفيدة من جودة التكوين، واستقرار المشاريع الرياضية، والاعتماد المبكر على اللاعبين الشباب.
وأصبح المنتخب الوطني يجني ثمار هذا الواقع، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن ضعف مساهمة البطولة المحلية في صناعة الجيل الجديد، وهو أمر يطرح تساؤلات حول مستقبل المنافسة الوطنية إذا استمر هذا المنحى.
ولا يمكن تحميل الأندية وحدها مسؤولية هذا الوضع، لأن تطوير اللاعب المحلي يتطلب رؤية متكاملة تشمل الجامعة والعصب الاحترافية ومراكز التكوين والمدارس الكروية.
كما أن مراجعة بعض القوانين، وتحفيز الأندية على إشراك اللاعبين الشباب، وربط جزء من الدعم المالي بمؤشرات التكوين والتصعيد، قد يشكل خطوة مهمة نحو إعادة الاعتبار للمواهب المحلية.
المغرب مقبل على محطات كروية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، وهو ما يجعل إصلاح البطولة الوطنية ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار.
فالملاعب الحديثة والتنظيم المحكم يظلان عنصرين مهمين، لكنهما لا يعوضان وجود بطولة قوية تنتج لاعبين قادرين على حمل قميص المنتخب الوطني.
وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي: هل تتحول البطولة الاحترافية إلى فضاء لصناعة النجوم وصقل المواهب، أم تظل مجرد محطة عابرة في مسار لاعبين يبحثون عن فرصتهم خارج المغرب؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل الكرة المغربية خلال العقد المقبل.










































