لم تعد الاحتجاجات التي تهزّ إيران منذ أيام مجرد صرخة اجتماعية ضد تضخم جامح وانهيار عملة أنهك الأسر والأسواق، بل تحوّلت سريعًا إلى مسرح متداخل للصراع الجيوسياسي، حيث تختلط مطالب الداخل بتهديدات الخارج، وتتعقّد خطوط الشرعية بين محتجّ يُطالب بالعيش، وسلطة تُطالب بالطاعة، وقوى دولية تُلوّح بالتدخل تحت لافتاتٍ سياسية وحقوقية.
آية الله علي خامنئي، الزعيم الأعلى للجمهورية الإسلامية، خرج بخطاب مسجّل حاسم النبرة، أعلن فيه أن طهران “لن تخضع للعدو”، في ردّ مباشر على تصريحات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي لوّح بأن الولايات المتحدة “جاهزة ومستعدة” للتدخل دعمًا للمحتجين، في رسالةٍ حملت أكثر من معنى، ولم تُخفِ هدفها في زيادة الضغط على القيادة الإيرانية في لحظة ضعف اقتصادي واستنزاف إقليمي.
لكن ما أثار الانتباه أكثر من لغة التحدي، هو لغة الاعتراف. خامنئي أقرّ ضمنيًا بشرعية جزءٍ من الغضب الشعبي حين قال إن “التجار على حق، ولا يمكنهم العمل في هذه الظروف”، في إشارةٍ إلى الانهيار الحاد للعملة المحلية، قبل أن يرسم خطًا فاصلًا بين “المحتجين الذين نتحدث معهم” و“مثيري الشغب الذين يجب وضع حدّ لتصرفاتهم”، في محاولةٍ لإدارة الأزمة بعقلين: أحدهما يُهدّئ، والآخر يُقمع.
على الأرض، بدا هذا النهج المزدوج أكثر ارتباكًا. ففي حين أعلنت الحكومة استعدادها للحوار مع المتضررين اقتصاديًا، لجأت القوات الأمنية إلى تفريق مظاهرات بالغاز المسيل للدموع في بعض المناطق، وسط مواجهاتٍ دامية، تركزت بشكلٍ خاص في مدن صغيرة بالأقاليم الغربية، حيث تحدثت جماعات حقوقية عن مقتل أكثر من 10 أشخاص، واعتقال العشرات، في حين أعلنت السلطات مقتل اثنين من عناصر الأمن وإصابة 12 آخرين.
الأرقام التي أعلنتها منظمة “هنجاو” الكردية لحقوق الإنسان عكست تسارعًا مقلقًا في منحى الاعتقالات، إذ ارتفع عدد الموقوفين إلى 133 شخصًا خلال 24 ساعة، في وقتٍ لم تتمكّن فيه وكالات دولية، بينها “رويترز”، من التحقق من صحة الروايات المتداولة، ما يُبرز أن الأزمة تُدار إعلاميًا أيضًا بين روايتين: إحداهما تتحدث عن “ثورة شعب”، والأخرى عن “مؤامرة مندسين”.
وفي خلفية المشهد، تقف الأزمة الاقتصادية الثقيلة. انهيار العملة، انكماش الاقتصاد تحت العقوبات، وشحّ خدمات الماء والكهرباء في بعض المناطق، كلها عوامل حوّلت التضخم من أزمةٍ اجتماعية إلى أداة ضغطٍ استراتيجي، تذكّر الإيرانيين بأن الاحتجاج لم يعد فقط ضد الأسعار… بل ضد موازين القوة.
أما إقليميًا، فتأتي هذه الاضطرابات في لحظةٍ فارقة من تراجع النفوذ الإيراني في المشرق. منذ حرب غزة 2023، تكبّدت طهران ضرباتٍ موجعة: حزب الله أُنهك، بشار الأسد أُطيح، والبرنامج النووي تعرّض لانتكاسةٍ غير مسبوقة بعد ضربات إسرائيلية–أميركية مشتركة، أودت بقادة عسكريين كبار، وكشفت عن اختراقٍ عميق داخل بنية السلطة في طهران، في وقتٍ تحاول فيه إيران الحفاظ على ما تبقى من هيبة الردع.
اليوم، إيران ليست أمام اختبار اقتصادي فقط، ولا أمام اختبار أمني فقط… بل أمام اختبار وجودي: هل تنجح السلطة في احتواء غضبٍ بدأ اجتماعيًا وتحوّل سياسيًا، أم تتحوّل فنزويلا أخرى، تسقط فيها الحقيقة أولًا قبل سقوط النظام؟
المشهد مفتوحٌ على كل الاحتمالات، لكنه مغلقٌ على يقينٍ واحد: حين يعجز الاقتصاد عن حماية الدولة، تتحوّل الدولة إلى حماية نفسها من الاقتصاد… ومن الشعب… ومن العالم. وإيران الآن تعيش هذه اللحظة بكل ثقلها التاريخي، وبكل هشاشتها المعاصرة









































