قرّر المغرب منع تصدير السردين المجمّد ابتداءً من فاتح فبراير المقبل، في خطوة ربطتها الحكومة مباشرة بضرورة تعزيز تموين السوق الداخلية وضبط الأسعار، غير أن القرار فجّر نقاشاً واسعاً بين خبراء ومهنيين حول حدود فعاليته في كبح المضاربة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، في وقت تحوّل فيه غلاء السمك إلى بند ثابت على جدول الجدل العمومي.
ويأتي القرار في سياق اقتصادي واجتماعي بالغ الحساسية، حيث لم يعد ارتفاع أسعار الأسماك مجرد انعكاس ظرفي لتقلبات البحر، بل مؤشراً على اختلالات بنيوية تضرب سلسلة الصيد والتثمين والتسويق، وتفتح الباب أمام مضاربات متشابكة لا تُفسَّر بكلفة الإنتاج وحدها.
وأعلنت زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أن منع التصدير سيساهم في رفع العرض داخل الأسواق الوطنية، والحفاظ على الأسعار في «مستويات مقبولة»، خصوصاً في فترات الضغط الموسمي التي تعرف ارتفاعاً استثنائياً للطلب، مشددة على أن الحكومة تتابع تطور الأسعار يومياً وتتدخل كلما اقتضت الضرورة.
غير أن الدريوش حرصت على ضبط سقف التوقعات، بنزع أي طابع دعائي عن القرار، مؤكدة أن الأسعار تخضع لمنطق العرض والطلب، وأن ما يلاحظ اليوم من ارتفاعات هو نتيجة تراكب عوامل موضوعية، تشمل الظروف المناخية، كلفة الخروج إلى البحر، التبريد، وهوامش الوسطاء وباعة التقسيط.
لكن خلف هذه اللغة الاقتصادية المحايدة، يبرز اعتراف ضمني بوجود مسالك تسويق غير منضبطة، حيث تحدثت المسؤولة عن تنسيق حكومي مع السلطات المختصة لـ«محاربة الممارسات غير القانونية والمضاربة»، في إشارة إلى نفوذ الوسطاء غير المنظمين الذين يتحكمون في انتقال المنتوج من نقاط التفريغ إلى أسواق الجملة، قبل أن يصل إلى المستهلك النهائي، وهو ما يُضخّم الأسعار أحياناً دون سند مرتبط بالكلفة الحقيقية.
ومع اقتراب شهر رمضان، أعلنت الدريوش عن تدابير استباقية لضمان تزويد السوق بالسمك المجمّد، حتى «لا يتحول السمك إلى مادة نادرة أو مرتفعة الثمن بشكل غير مبرر»، في محاولة لتفادي السيناريو السنوي المتكرر الذي يضع الحكومة تحت ضغط التوازن بين حساسية الطلب واستقرار الأسعار.
وتؤطر الحكومة قرار المنع أيضاً ضمن رؤية استراتيجية أوسع لإرساء سياسة تقوم على استدامة المصايد، من خلال احترام فترات الراحة البيولوجية، تعزيز المراقبة، تطوير بنيات التسويق، وتأهيل الأسواق المحلية، في ظل تزايد التحذيرات من الاستغلال المفرط لبعض الأنواع السطحية وفي مقدمتها السردين، الذي يشكّل مادة استهلاكية محلية كبرى، وفي الآن ذاته سلعة تصديرية ذات وزن في الميزان التجاري.
في المقابل، يرى مهنيون أن القرار، رغم وجاهته الاجتماعية الظرفية، قد يظل قصير النفس اقتصادياً إذا لم يُواكَب بإصلاحات حقيقية. وأوضح مصدر مهني في مجال تثمين وتصدير المنتجات البحرية أن قطاع الصيد البحري يدرّ على الاقتصاد الوطني ما بين 25 و30 مليار درهم سنوياً من عائدات التصدير، وأن وحدات التجميد والتصبير تُشغّل أكثر من 200 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، خصوصاً في المناطق الساحلية التي ترتبط حيويتها الاجتماعية والاقتصادية باستمرارية التصدير.
وأضاف المصدر أن أزيد من 60% من الإنتاج الموجّه للتثمين الصناعي يستوعبه الخارج، وأن نشاط الوحدات يعتمد على عقود تمتد أحياناً لستة أشهر أو سنة، ما يجعل أي توقف مفاجئ أو مطوّل مصدراً لخسائر فورية وتعطيل سلاسل الإنتاج، و«تهديداً للاستقرار الاجتماعي في مناطق بكاملها».
ويُجمع عدد من المهنيين على أن منع التصدير لا يؤدي بالضرورة إلى خفض دائم للأسعار، مستحضرين تجارب سابقة أظهرت أن العرض المحلي قد يرتفع دون أن تتراجع الأثمان بشكل مستدام، بسبب المضاربة داخل أسواق الجملة، حيث يُعاد بيع المنتوج بهوامش تصل أحياناً إلى 40 و50% بين الميناء ونقطة البيع النهائية.
من جهته، يرى محمد الغازي، صاحب مصنع لتصدير الأسماك المجمدة بأكادير، أن القرار «يختزل أزمة مركّبة في إجراء إداري ظرفي»، مشيراً إلى أن التصدير عنصر توازن في السلسلة الاستثمارية للقطاع، وأن إغلاق هذا المنفذ دون إصلاحات موازية، قد يؤدي إلى «نقل الاختلالات من الخارج إلى الداخل بدل معالجتها».
كما حذّر مسيّر وحدة صناعية للتجميد من أن ارتباك القرار العمومي يترجم فوراً إلى فقدان ثقة الزبناء الدوليين، وهو ما قد ينعكس ليس فقط على الخسائر الآنية، بل على موقع المغرب داخل سلاسل القيمة العالمية للمنتجات البحرية، التي تقوم على الالتزام بالآجال واستقرار التوريد.
يكشف منع تصدير السردين المجمّد عن حدود المقاربة التقليدية في تدبير سوق السمك بالمغرب: فبينما قد ينجح القرار في رفع العرض على المدى القصير، يظل التحدي الحقيقي في تفكيك حلقات المضاربة وفرض الشفافية والفوترة وربط الأسعار بالكلفة الحقيقية، دون المساس باستدامة المورد أو التوازنات الاقتصادية للقطاع.
وفي العمق، يعيد القرار طرح السؤال الأصعب: كيف يمكن للمغرب ضمان سوق سمك مستقرة، وأسعار منصفة، دون التضحية بقاطرة التصدير التي تشغّل مئات الآلاف وتدرّ مليارات الدراهم؟… سؤال يبدو أن المنع قد يؤجله، لكنه لا يجيب عنه، في انتظار إصلاحات هيكلية تُخرج السردين من دوامة الجدل الموسمي إلى منطق السوق المنظّم والدائم.









































