لا يمكن بناء رؤية استراتيجية لمستقبل المحاماة دون وضعها أولًا داخل هندسة الدستور ومنظومة الحقوق والسلطات التي يؤطرها. غير أن التأطير الدستوري للمحاماة لا ينبغي اختزاله في سؤال شكلي : هل وردت كلمة «المحاماة» صراحة في الدستور أم لم ترد؟ فالسؤال الأعمق يتعلق بموقع الدفاع داخل النظام الدستوري للحقوق والحريات والعدالة، وبمدى كفاية الضمانات القائمة لحماية استقلاله من تقلب التشريع والسياسات العمومية.
1. المحاماة في التأطير الدستوري القائم :
رغم عدم دسترة المحاماة باعتبارها مؤسسة مهنية مستقلة بنص خاص، فإن وظيفتها تقع في قلب شبكة من المقتضيات الدستورية المرتبطة بدولة القانون، والمساواة أمام القانون، والحق في التقاضي، والمحاكمة العادلة، وحقوق الدفاع، واستقلال القضاء، وحماية الحقوق والحريات ؛ وهذا يسمح بالتمييز بين مستويين: دسترة المحاماة كاسم ومؤسسة، ودسترة الوظيفة الدستورية للدفاع ؛ وقد يكون المستوى الثاني، من زاوية حماية الحقوق، أكثر أهمية من مجرد إدراج اسم المهنة في الوثيقة الدستورية؛ لأن الغاية ليست منح المحامين امتيازًا دستوريًا فئويًا، وإنما ضمان استقلال الدفاع باعتباره شرطًا لممارسة المواطن لحقوقه ولمحاكمة عادلة وللتوازن داخل منظومة العدالة.
ومن هنا ينبغي أن ينطلق التفكير من سؤال: ما الذي نريد دسترته بالضبط: المهنة، أم المؤسسة، أم التنظيم الذاتي، أم استقلال الدفاع، أم حقوق المتقاضي في دفاع حر وفعال؟
2. افتحاص الحاجة والضرورة إلى الدسترة :
ينبغي ألا تتحول «دسترة المحاماة» إلى شعار مهني يُفترض أن إيجابيته بديهية. إنها فرضية دستورية ينبغي إخضاعها هي نفسها للافتحاص ؛ وهنا يبدأ ذلك بأربعة أسئلة:
هل أثبتت التجربة أن الحماية التشريعية الحالية غير كافية لضمان استقلال الدفاع؟
وهل مصدر الهشاشة هو غياب النص الدستوري فعلًا، أم طريقة التشريع وتأويل القواعد وتطبيقها وموازين القوة المؤسساتية؟
وما القيمة المضافة التي ستوفرها الدسترة ولا يستطيع التشريع العادي أو الاجتهاد الدستوري توفيرها؟
ثم نطرح السؤال الأكثر حساسية: هل ستؤدي الدسترة إلى توسيع استقلال المحاماة أم قد تمنح السلطة التأسيسية أو المشرع أساسًا دستوريًا لإعادة تنظيمها وضبطها؟
وبذلك ننتقل من المطالبة بالدسترة إلى افتحاص جدوى الدسترة ومخاطرها.
3. ما الذي يمكن أن تكسبه المحاماة من الدسترة؟
يمكن للدسترة، إذا صيغت بمنطق ضمان الحقوق لا بمنطق تنظيم المهنة، أن تحقق مكاسب مهمة؛ فهي ترفع استقلال الدفاع من مرتبة الضمان التشريعي القابل للتعديل بالأغلبية السياسية إلى مرتبة مبدأ ذي قيمة دستورية، وتوفر أساسًا أقوى للرقابة على القوانين التي قد تمس السر المهني أو حرية الدفاع أو استقلال التنظيم المهني؛ كما يمكنها تقوية الارتباط بين استقلال القضاء واستقلال الدفاع، بما يؤكد أن المحاكمة العادلة لا تنتج عن قاض مستقل وحده، وإنما عن منظومة تتوافر فيها أيضًا شروط دفاع مستقل وفعال.
وقد توفر الدسترة كذلك مرجعية أقوى للطعن في التشريعات المستقبلية ولتفسير النصوص بما يخدم الحقوق والحريات.
لكن كل هذه الإيجابيات تظل مرتبطة بسؤال ماذا سندستر وكيف سندستره؟
4. الوجه الآخر للدسترة: حين تتحول الحماية إلى ضبط !
ليس كل ما يُدستر يصبح بالضرورة أكثر استقلالًا ؛ فهناك فرق جوهري بين نص دستوري يقول، في جوهره، إن الدفاع حر ومستقل وتضمن الدولة شروط ممارسته وفق مقتضيات المحاكمة العادلة، وبين نص يدخل في تعريف المحاماة وتنظيم مؤسساتها وعلاقاتها بالسلطات وآليات الرقابة عليها ، وكلما توسعت الدسترة التنظيمية، ازداد احتمال تحويل الوثيقة الدستورية من درع للاستقلال إلى أساس للضبط ، وقد تنشأ، خصوصًا، أربعة مخاطر:
أولها دسترة الوصاية إذا اقترنت حماية المهنة بإسناد وظائف رقابية واسعة لمؤسسات الدولة عليها.
وثانيها تجميد النموذج المهني؛ لأن رفع تفاصيل تنظيمية إلى المستوى الدستوري يجعل تطويرها لاحقًا أكثر تعقيدًا.
وثالثها إعادة تعريف المحاماة باعتبارها مرفقًا تابعًا لمنظومة العدالة بدل اعتبارها مهنة حرة مستقلة تشارك في تحقيق العدالة من موقع الاستقلال عنها.
أما الخطر الرابع فهو المقايضة الدستورية: منح الاعتراف الدستوري للمحاماة مقابل إدخال قيود أو رقابات يصعب لاحقًا التخلص منها لأنها اكتسبت بدورها قيمة دستورية.
وهنا تظهر مفارقة تستحق الانتباه: قد نطالب بالدسترة طلبًا لمزيد من الاستقلال، فنحصل على دسترة تجعل الضبط نفسه جزءً من الهندسة الدستورية للمهنة.
5. دسترة الوظيفة والضمانات أم دسترة التنظيم؟
لهذا ينبغي، قبل تبني مطلب الدسترة، التمييز بين ثلاثة مستويات:
الأول هو دسترة وظيفة الدفاع باعتبارها ضمانة للمواطن وللمحاكمة العادلة.
والثاني هو دسترة المبادئ الحامية للمحاماة، وفي مقدمتها استقلال الدفاع وحريته والسر المهني والحماية الوظيفية والتنظيم الذاتي.
والثالث هو دسترة التنظيم المهني نفسه من حيث بنياته واختصاصاته وعلاقاته بمؤسسات الدولة.
ويبدو المستوى الثالث أكثر المستويات حاجة إلى الحذر؛ لأن الدستور ينبغي، من حيث الأصل، أن يحمي المبادئ والضمانات الكبرى، بينما يترك للتشريع والتنظيم الذاتي مساحة كافية لتطوير البنيات والآليات وفق تحولات المجتمع والعدالة والمهنة.
وبذلك يمكن الدفاع عن صيغة تقوم على «دسترة الضمانات لا دسترة الوصاية، ودسترة الوظيفة لا تجميد التنظيم».
6. الدسترة ليست بديلًا عن القوة المؤسساتية
ينبغي، فوق ذلك كله، الحذر من وهم قانوني آخر: الاعتقاد أن نقل الاستقلال من القانون إلى الدستور سيحل وحده أزمة المحاماة؛
فالنص الدستوري لا يعوض ضعف المؤسسات المهنية، ولا غياب المعرفة والمعطيات، ولا هشاشة المحامين، ولا ضعف القوة الاقتراحية، ولا أزمة التمثيل، ولا قصور التكوين.
وقد تكون المهنة «محمية دستوريًا» على الورق، لكنها ضعيفة اجتماعيًا واقتصاديًا ومؤسساتيًا؛ مثلما يمكن لضمانات دستورية واسعة أن تفقد جزءًا من فعاليتها إذا لم توجد مؤسسات قادرة على تحويلها إلى ممارسة.
ومن هنا يعود مفهوم الاقتدار إلى مركز الرؤية: الدسترة يمكن أن تحمي الاستقلال، لكنها لا تصنع وحدها القدرة على ممارسته.
7. نحو افتحاص دستوري قبل رفع مطلب الدسترة :
لذلك، بدل الانطلاق مباشرة من شعار «دسترة المحاماة»، تقترح الرؤية إنجاز افتحاص دستوري مؤسساتي مقارن يجيب عن أسئلة محددة: ما الحماية التي يوفرها الدستور الحالي بالفعل للدفاع؟ وأين ظهرت حدودها؟ وما الضمانات التي تحتاج فعلًا إلى رفعها إلى المرتبة الدستورية؟ وما التجارب المقارنة التي دسترت المحاماة أو استقلال الدفاع؟ وما النتائج العملية لذلك؟ وأي صياغة تحقق أكبر حماية ممكنة للاستقلال بأقل قدر ممكن من مخاطر الوصاية والتجميد والضبط؟
وعندها فقط يمكن المفاضلة عقلانيًا بين ثلاثة خيارات: الإبقاء على التأطير الدستوري غير المباشر مع تقوية الضمانات التشريعية؛ أو دسترة استقلال الدفاع وضماناته الأساسية؛ أو دسترة المحاماة كمؤسسة دستورية صريحة.
والاختيار بينها ينبغي ألا تحسمه الرمزية المهنية، وإنما اختبار الأثر على الاستقلال والحقوق والتوازن المؤسساتي.
والخلاصة يظل في نظرنا السؤال الصحيح، إذن، ليس:هل نريد دسترة المحاماة؟
بل: ما الذي يستحق الدسترة في المحاماة، ولمصلحة من، وبأي صياغة، وبأي ضمانات ضد تحول الدسترة نفسها إلى أداة للضبط؟
فإذا كانت الغاية هي حماية المحامي بوصفه صاحب مهنة، فقد يبدو المطلب فئويًا؛ أما إذا كانت الغاية هي حماية الدفاع الحر والمستقل باعتباره حقًا للمتقاضي وضمانة للمحاكمة العادلة ومكونًا من مكونات دولة القانون، فإن النقاش ينتقل من مطلب مهني إلى سؤال دستوري مجتمعي.
ومن هنا يمكن أن يكون المبدأ الناظم لأي إصلاح دستوري محتمل العمل على دسترة استقلال الدفاع وضماناته قبل دسترة تنظيم المهنة؛ ودسترة الحقوق قبل المؤسسات؛ وحماية التنظيم الذاتي دون تحويل الاعتراف الدستوري إلى مدخل لوصاية دستورية أو تشريعية جديدة.
مصطفى المنوزي








