عادت أسعار المحروقات في المغرب إلى الواجهة من جديد، بعدما دخلت ابتداء من الساعات الأولى من يوم الأربعاء 16 شتنبر 2026 زيادة جديدة شملت الغازوال والبنزين، في وقت يواجه فيه أرباب ومسيرو محطات الوقود ما يعتبرونه اختلالات متكررة في التموين وتسعير المحروقات من طرف شركات التوزيع، وسط دعوات إلى مزيد من الشفافية والمنافسة داخل السوق.
وبحسب المعطيات التي أوردتها منصة «الطاقة»، ارتفع سعر لتر الغازوال بـ34 سنتيماً، ليستقر في حدود 15.30 درهماً، فيما زاد سعر البنزين بـ27 سنتيماً، ليصل إلى حوالي 15.20 درهماً للتر. وتظل هذه الأسعار قابلة لفوارق محدودة من محطة إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى، تبعاً لشركة التوزيع وتكاليف النقل واللوجستيك والسياسة التجارية المعتمدة.
وتأتي الزيادة الجديدة بعد حوالي أسبوعين فقط من آخر مراجعة للأسعار، ما يعيد النقاش حول وتيرة تحيين الأسعار في السوق الوطنية، ومدى قدرة المستهلك وأرباب محطات الوقود على مواكبة التغييرات المتسارعة في الأسعار.
غير أن الإشكال بالنسبة إلى مهنيي القطاع لا يرتبط فقط بمستوى السعر النهائي، وإنما أيضاً بطريقة اشتغال سوق التوزيع والعلاقة بين الشركات الموزعة ومحطات الوقود. فقد سبق للجامعة الوطنية لأرباب وتجار ومسيري محطات الوقود بالمغرب أن أثارت أمام مجلس المنافسة مجموعة من الاختلالات المرتبطة بظروف التموين وتقلبات الأسعار.
وخلال جلسة استماع عقدها مجلس المنافسة في مارس الماضي، تحدث ممثلو المهنيين عن قيام عدد من شركات توزيع المحروقات بتقليص الكميات التي يتم تزويد المحطات بها، بل وامتناع بعضها عن التزويد في فترات معينة بداعي وجود نقص في المخزون. كما أثار المهنيون مسألة تقليص الطلبيات قبل مواعيد تحيين الأسعار، وهو ما اعتبروه من بين الإشكالات التي تؤثر في السير العادي للمحطات.
ويجد أصحاب المحطات أنفسهم، وفق هذه المعطيات، في وضعية حساسة، إذ يتعين عليهم تدبير مخزونهم ومواجهة تغيرات الأسعار والطلب، في الوقت الذي تظل فيه قدرتهم على التحكم في شروط التزويد والأسعار محدودة بحكم ارتباطهم بشركات التوزيع.
ويأتي ذلك في سوق سبق لمجلس المنافسة أن تابع تطوراتها بشكل مكثف، خصوصاً في ظل حساسية المحروقات بالنسبة للاقتصاد الوطني وتأثيرها المباشر وغير المباشر على تكاليف النقل والخدمات والسلع.
وفي مارس 2026، سجل مجلس المنافسة وجود تفاوت في أسعار التفويت بين الفاعلين، بلغ حوالي 20 سنتيماً للتر، كما خلصت معطياته إلى أن انتقال التغيرات في الأسعار الدولية إلى السوق المغربية لم يكن موحداً خلال الفترة التي تمت دراستها.
ولا يعني ذلك، بحسب ما أعلنه المجلس في مراحل لاحقة، إثبات وجود ممارسات منافية للمنافسة في الفترات التي تمت دراستها، إذ أكد في إحدى مذكراته أن تطور أسعار الغازوال والبنزين في السوق الوطنية عكس بشكل عام التغيرات المسجلة في الأسواق الدولية، مع تسجيل فروقات بحسب المنتجات والفترات الزمنية.
لكن استمرار النقاش حول آلية التسعير يطرح سؤالاً أكبر حول كيفية ضمان انتقال انخفاض الأسعار الدولية إلى المستهلك المغربي بالسرعة نفسها التي تنتقل بها الارتفاعات، وحول مدى استفادة المستهلك من المنافسة بين شركات التوزيع.
وكان مجلس المنافسة قد أعلن، في مارس 2026، تشديد تتبعه لسوق المحروقات، مشيراً إلى أن المغرب، باعتباره بلداً مستورداً للمنتجات النفطية السائلة، يبقى معرضاً لتقلبات الأسعار العالمية. كما شدد على ضرورة أن تعكس الأسعار الوطنية، في إطار منافسة فعالة، التغيرات الدولية بشكل متناسب وفي آجال معقولة.
وفي هذا السياق، تصبح كل زيادة جديدة في أسعار المحروقات مناسبة لإعادة طرح ملف العلاقة بين شركات التوزيع وأرباب المحطات، خصوصاً في ما يتعلق بالتموين وشروط التزويد وهوامش الربح وحرية تحديد الأسعار.
كما تكشف بيانات مجلس المنافسة عن حجم الأموال المتداولة في هذا السوق؛ فقد بلغ متوسط الهامش التجاري الخام المرجح لدى شركات توزيع الغازوال والبنزين بالجملة خلال الربع الرابع من سنة 2025 نحو 1.23 درهم للتر بالنسبة إلى الغازوال و1.85 درهم للتر بالنسبة إلى البنزين.
ومع دخول زيادة شتنبر الجديدة حيز التنفيذ، يعود المستهلك المغربي إلى مواجهة فاتورة وقود أعلى، بينما تنتظر محطات الوقود معالجة الإشكالات التي سبق أن أثارتها أمام مجلس المنافسة، خاصة ما يتعلق بانتظام التموين ووضوح قواعد التسعير والعلاقة التجارية مع الشركات.
وبين تقلبات الأسواق العالمية وشكاوى المهنيين وتغير الأسعار في المحطات، يبقى الرهان الأساسي هو ضمان سوق أكثر شفافية وتنافسية، بحيث تكون التغييرات في الأسعار مفهومة وقابلة للتتبع، وتنعكس الارتفاعات والانخفاضات الدولية على السوق الوطنية وفق قواعد واضحة وفي آجال معقولة.








