نعتقد أن دورنا، كغيورين على الوطن والمهنة معًا، ليس أن نضيف إلى الأزمة أزمةً في الخطاب والعلاقات، بل أن نسهم في البحث عن مخارج تحول دون انتقالها من وضع احتجاجي قابل للتدبير إلى مطب هيكلي قد تطول كلفته على المحاماة والعدالة والمتقاضي ؛ ومن هذا المنطلق اقترحنا تعليق التوقف مؤقتًا، لا باعتباره تراجعًا عن المبدأ، ولا خذلانًا للمعركة، ولا محاولة لكسر إرادة المحاميات والمحامين كما يزعم ، وإنما بوصفه مخرجًا من مخارج أخف الضرر، وفسحة تقييمية تسمح باستعادة المبادرة وإعادة ترتيب الوسائل في ضوء ما تغير من معطيات ؛ ولذلك حرصنا على ضرورة التمييز ، ولا زلنا نميز، بين الثبات على المبدأ والثبات على الوسيلة. فالمبدأ مجال للالتزام، أما الوسيلة فمجال للاجتهاد والتقييم والتقويم والاستدراك ؛ وإن اختيار الوسيلة ينتمي إلى تصريف الممارسة، لا إلى اختبار صدق الانتماء إلى المبدأ ، ولذلك لا نرى في مراجعة وسيلة احتجاجية، متى اقتضت الوقائع ذلك، خيانة للمبدأ؛ بل قد تكون المراجعة نفسها مقتضى من بين مقتضيات الوفاء له وحسن خدمته ؛ ولم تكن محاولة الاجتهاد صوتًا معزولًا كما حاول البعض تصويره؛ فقد لمسنا حوله تجاوبًا عموديًا وعرضانيًا داخل الجسم المهني، وبصورة خاصة لدى جزء معتبر من الأغلبية الصامتة أو المترددة، ممن لا يجدون بالضرورة طريقهم إلى فضاءات التعبير الصاخبة، لكنهم يتقاسمون أسئلة الكلفة والقدرة والأفق ؛ وهذا التجاوب، مهما تعذر قياس حجمه بدقة، يظل إشارة مهنية جديرة بالإنصات؛ لأن الصمت ليس موافقة بالضرورة، كما أن التردد ليس خذلانًا، وقد يكون كلاهما تعبيرًا عن حاجة عميقة إلى مخرج يحفظ المبدأ ويعيد تقييم الوسيلة ؛ غير أن الهاجس الانتخابي، أو منطق الاستقطاب الذي بدأ يتسرب إلى النقاش المهني، جعل بعض الأصوات تستقبل هذا الاجتهاد باعتباره خذلانًا أو خيانة أو محاولة لكسر الاحتجاج. وهنا يصبح الخلاف أخطر من موضوعه: فحين يُحوَّل الاختلاف حول الوسيلة إلى اتهام في النيات والحكم على المقاصد ، تنتقل المعركة من تدبير الأزمة إلى تدبير الخصومة بين أصحاب القضية الواحدة.
وأمام ما تعرض له موقفنا من تجريح وتشكيك، نعبر عن استنكارنا لطريقة استقبال مجهود فكري ومهني لم يدّع العصمة والكمال، ولم يطلب من أحد التسليم به، وإنما طالب بحقه الطبيعي في أن يناقش بالحجة، وأن يُفنَّد بالحجة، وأن يقاس على محك الواقع والنتائج والقدرات، فليس من أخلاقنا استعمال لحظات الضعف حطبا للمعارك ، ولا الهشاشة الإنسانية ذروعا ولا متاريس ، لأن همنا الأصيل ليس جبر الخواطر على حساب جبر الأضرار !
ولنترك، بعد ذلك، الأمر للضمير المهني؛ فالمسألة لم تعد بالهينة؛
فقد بلغنا مرحلة الاحتكاك المختبري الحقيقي بالواقع؛ وهي اللحظة التي لا تعود فيها الخيارات قابلة للقياس بقوة الشعارات، بل بما تنتجه عند ملامستها للوقائع. فنحن اليوم أمام أمر واقع لا يرتفع بمجرد الرغبة: إما مجاراة قرارات تغيرت بعض حيثيات اتخاذها بفعل تحولات السياق، وإما الامتثال الفعلي لقانون إذعاني نافذ على حاله، مع ما يحمله الخياران معًا من كلفة وتناقضات ، وقد لمحنا مرارا بأن هناك خطا ثالثا يتشكل ، دون جدوى وتلقي !
ومن هذه الزاوية تحديدًا، كان اقتراح التعليق المؤقت للتوقف مخرجًا خامًا قابلًا للنقد والتطوير، لكنه، في تقديرنا، كان من أخف الأضرار الممكنة: لا استسلامًا للقانون، ولا إنكارًا للمعركة، بل محاولة لفتح مسافة بين المبدأ والوسيلة تسمح بإعادة التقدير قبل أن تتحول الأزمة الظرفية إلى مأزق هيكلي.
وقد تصح هنا قاعدة عملية بسيطة: إذا تعذر تحقيق المطالب بالقوة، والقوة المشروعة تحتكرها السلطات العمومية، فليكن الاحتكام إلى المصلحة؛ والمصلحة لا تُدرك بالشعار، بل بتحليل الواقع المعقد وافتحاص القدرات الذاتية والجماعية ؛ فإذا ضاقت مساحة القوة والمصلحة معًا، بقي استدعاء المعنى: لماذا بدأنا؟ ماذا نريد أن نحمي؟ وأي وسيلة أصبحت، في هذه اللحظة، أقرب إلى الغاية وأقل كلفة عليها؟
وهنا تصبح الحكمة والعقلانية النقدية ضرورة مهنية ؛ فالمعركة العادلة لا تجعل أدواتها معصومة من المراجعة، والحماس، مهما كان صادقًا، لا يعفي من الحساب. العقل الإيماني يمنح المبدأ طاقة الثبات، أما العقلانية النقدية فتمنح الوسيلة قابلية المراجعة؛ والخطر يبدأ حين ننقل قداسة الغاية إلى أداتها، فنتعامل مع قرار بشري قابل للتقييم كما لو كان مبدأً غير قابل للمراجعة ؛ لذلك، فإننا نثبت موقفنا للتاريخ والجغرافيا معًا: للتاريخ حتى لا يقال يومًا إن المخاطر ظهرت ولم يُنَبَّه إليها، وللجغرافيا لأن المواقف لا تُصنع في فراغ، بل داخل واقع مهني ومؤسساتي ووطني له موازين قواه وحدوده وإكراهاته.
وفي الوقت نفسه، نعلن انسحابنا التدريجي من سجال لا تؤطره أخلاقيات الحوار المنتج؛ لا انسحابًا من مسؤوليتنا المهنية، ولا تخليًا عن المبدأ، ولا تنصلًا من التضامن، وإنما رفضًا لاستنزاف الطاقة الجماعية في معارك داخلية لا تضيف إلى القضية قوة ولا إلى الحجة صدقية ؛ بعيدا عن منطق عدالة المنتصرين الوهمية وسراب ايديولوجيا الهزيمة وتمثلاتها الغبية !
سنظل ملتزمين بما تقرره المؤسسات المهنية ديمقراطيا ، وسنظل أوفياء لحقنا في التفكير النقدي والتقييم والاقتراح ؛ فالانضباط للقرار لا يعني تعطيل العقل، والوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف، والصمود لا يُقاس بطول الزمن وحده، بل بقدرته على إنتاج أثر يخدم الغاية التي من أجلها بدأ.
لقد قلنا ، وبكل جدية ومسؤولية ، ما اعتقدنا أنه يخدم المهنة والوطن، ونثبت عليه دون خصومة ودون مزايدة؛ ومن هذه اللحظة، نضع الرأي أمام الضمير المهني، والقرار أمام اختبار الواقع، والنتائج أمام مسؤولية أصحابها ، وليتحمل كل منا، قيادةً وقاعدةً، نصيبه من المسؤولية المهنية والإنسانية أمام زملائه والمتقاضين والتاريخ.
وفي آخر التحليل ، نؤكد على أننا لسنا منسحبين من المهنة ولا من معركتها؛ إنما ننسحب تدريجيًا من الضجيج، لا من المسؤولية؛ فقد آن للواقع نفسه أن يتكلم، وللنتائج أن تحكم بين الخيارات.
مصطفى المنوزي








