– عبد الرفيع حمضي
بعد نهاية مباراة المغرب وهولندا، كان أول ميساج وصلني تهنئة من صديق سنغالي عزيز، سبق أن شغل منصب وزير للخارجية. لم تكن الرسالة سوى كلمات قليلة، لكنها أعادت إلى ذهني صورة السنغال التي عرفها المغاربة دائما؛ بلد شقيق، تجمعه بالمغرب روابط أعمق من السياسة والاقتصاد، صنعتها قرون من التاريخ المشترك، وروابط إنسانية وروحية ظلت عصية على التقلبات.
وبعد أقل من ثمان وأربعين ساعة، وجدت نفسي أتابع مباراة السنغال وبلجيكا، لكن الصراع لم يكن في الملعب فقط، بل كان داخلي أيضا. كان جزء مني يهتف للسنغال التي أحببتها دائما، البلد الذي لم يبخل يوما على المغرب بالمودة، بينما كان جزء آخر يستحضر تلك الصور التي خلفتها كأس إفريقيا، وصوت مدرب اختار التصعيد بدل الحكمة. لم أكن ضد السنغال، ولم أكن مع بلجيكا؛ كنت فقط أبحث عن نهاية لذلك المشهد الذي عكر صفو علاقة أجمل من أن تختزل في مباراة لكرة القدم. عندها فهمت أن الذاكرة الإنسانية لا تنسى بالسرعة نفسها التي تسامح بها، وأن الأخوة الحقيقية لا تلغي آثار الجرح، لكنها تدفعنا إلى معالجته بدل الاستسلام له.
والحال أن العلاقات المغربية السنغالية واحدة من أكثر العلاقات رسوخا داخل القارة الإفريقية، نسجتها الثقة، وعمقتها الروابط الدينية والثقافية، وحافظت عليها حكمة الدول قبل عاطفة الجماهير.

ومن الإنصاف أيضا ألا يحمل الشعب السنغالي مسؤولية ما حدث. فالشرخ الذي وقع كان نتيجة تهور مدرب وسوء تدبير لحظة رياضية. فتحولت مباراة لكرة القدم إلى أزمة تجاوزت حدود الملعب. ثم دخلت بعض الأصوات السياسية، عديمة الخبرة في إدارة العلاقات بين الدول، على الخط بخطاب انفعالي لم يراع عمق العلاقة التاريخية بين الرباط ودكار.
وفي المقابل، اختير منطق الحكمة وعدم الانجرار إلى التصعيد، مما حال دون تحويل أزمة رياضية إلى أزمة سياسية. وحتى عندما شهدت المباراة أعمال شغب وما ترتب عنها من اعتقالات وأحكام قضائية، لم يتحول الأمر إلى حملة ضد الشعب السنغالي، ولم يختزل بلد بأكمله في تصرفات بعض أفراده. بل جاءت المبادرة الملكية بالعفو عن جميع المشجعين السنغاليين الموقوفين لتؤكد أن ما يجمع المغرب والسنغال أكبر من مباراة، وأكبر من أخطاء مدرب أو تجاوزات جمهور، وأن منطق الدولة يظل أسمى من انفعالات الملاعب.
واليوم، حين تتحدث الصحافة السنغالية نفسها عن مطالب واسعة برحيل المدرب، بعد تحميله مسؤولية الإقصاء أمام بلجيكا، فإن الأمر لا يعنينا من زاوية الشأن الداخلي السنغالي، ولا من زاوية محاسبة رياضية تخص اتحادا وجمهورا بعينهما. لكنه يذكرنا بأن الأشخاص الذين يدبرون اللحظات الرياضية الكبرى قد يوسعون أثرها أو يضيقونه. فالمدرب، حين يختار التهدئة، يساعد على إبقاء المباراة داخل حدودها. وحين يختار التصعيد، قد يحول احتجاجا رياضيا إلى أثر عاطفي يتجاوز الملعب.
إن المغرب والسنغال لا يحتاجان إلى مصالحة سياسية، لأن السياسة لم تنكسر أصلا، وإنما يحتاجان إلى ترميم ذلك الدفء الشعبي الذي ظل دائما أجمل ما في هذه العلاقة. نريد أن يعود المغربي إلى تشجيع السنغال بعفويته القديمة، وأن يعود السنغالي إلى الاحتفال بانتصارات المغرب،
فالمدرب سيرحل، والبطولات ستنتهي، وستطوى صفحات كثيرة.
لذلك، آن أوان إغلاق هذا القوس.
وبين ما يقال وما لا يقال… يبقى أجمل انتصار هو أن يعود المغربي والسنغالي إلى تشجيع بعضهما البعض، لأن التاريخ الذي جمعهما لا ينبغي أن يفرقه تهور مدرب غير مسؤول .








































