– عبدالرفيع حمضي
لكل مرحلة سؤالها السياسي الكبير. وإذا كان السؤال الذي شغل المغرب خلال السنوات الماضية هو: ماذا ننجز؟ فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ،من سيقود المرحلة الثانية؟
قد لا يكون هذا السؤال قد ورد بهذه الصيغة في خطاب العرش، لكنه كان حاضرا في منطقه العام. فالخطاب الملكي السامي لم ينشغل بالإعلان عن اختيارات استراتيجية جديدة، بقدر ما توقف عند حصيلة مسار كامل، قبل أن يعلن الانتقال إلى دورة جديدة من المشروع التنموي، عنوانها مواصلة البناء على ما تحقق، وتحصين المكتسبات، والرفع من جودة الإنجاز.
وهنا بالضبط تبدأ مسؤولية الفاعل السياسي. فإذا كانت الدولة قد حسمت، إلى حد بعيد، سؤال الوجهة، فإن التحدي لم يعد يتعلق بما ينبغي فعله، وإنما بمن يملك الكفاءة السياسية والقدرة المؤسسية لتحويل هذه الرؤية إلى واقع.
لقد اعتدنا، مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، أن ينصرف النقاش إلى البرامج والتحالفات والوعود. غير أن السياق الحالي يفرض سؤالا آخر قد يكون أكثر أهمية: من هم الرجال والنساء الذين سيحملون مسؤولية قيادة هذه الدورة الجديدة من البناء التنموي؟
فإذا كانت الدولة قد أجابت، إلى حد بعيد، عن سؤال “ماذا نريد؟”، فإن الانتخابات المقبلة مطالبة بالإجابة عن سؤال آخر لا يقل أهمية: “من يملك القدرة على الإنجاز؟”
ولهذا، فإن أول ورش ينبغي أن يفتحه الفاعل السياسي اليوم ليس مراجعة برامجه الانتخابية فحسب، وإنما مراجعة معايير اختيار مرشحيه. فالبرامج يمكن تطويرها وتحيينها، أما النخب السياسية فهي التي تمنح تلك البرامج مصداقيتها، وهي التي تحول الرؤية إلى تشريعات، والسياسات إلى نتائج، والوعود إلى واقع.
ولا يتعلق الأمر بالدعوة إلى برلمان من الخبراء أو التقنيين فقط كما لا يتعلق بإقصاء احد ،فالسياسة لها كفاءتها الخاصة، والكفاءة السياسية ليست مجرد شهادة أو مهنة، وإنما هي قدرة على التحليل، واستيعاب التحولات، وإدارة الاختلاف، وبناء التوافق، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، والدفاع عن المصلحة العامة من داخل المؤسسات.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل فاعل سياسي على نفسه اليوم هو: هل نختار من يملك فقط حظوظ الفوز، أم من يملك أيضا القدرة على تدبير المرحلة المقبلة؟
إن التنظيمات الحزبية المغربية ليست فقيرة في الكفاءات ولا في النخب. بل إن داخلها نساء ورجالا راكموا سنوات من العمل الميداني والتنظيمي، واكتسبوا خبرة سياسية حقيقية، لكن كثيرا منهم ظلوا، في أحيان كثيرة، بعيدين عن واجهة الترشيحات، بينما تقدمت اعتبارات انتخابية أو محلية أو مالية على معيار الكفاءة السياسية.
وربما تكون الانتخابات المقبلة فرصة للعودة إلى هذا الخزان البشري، وإعادة الاعتبار لمن راكموا التجربة والمصداقية والالتزام داخل مؤسساتهم. فنجاح الدورة الجديدة من المشروع التنموي لن يتوقف فقط على جودة الرؤية، لأن هذه أصبحت مرسومة في الاختيارات الكبرى للدولة، وإنما سيتوقف أيضا على جودة النخبة السياسية التي ستتولى تنزيلها.
إن خطاب العرش لم يطرح سؤال البرامج بقدر ما طرح، بصورة غير مباشرة، سؤال القادرين على حمل مسؤولية المرحلة المقبلة. وهنا يكمن الامتحان الحقيقي للفاعل السياسي، لأن قوة أي مشروع وطني لا تقاس فقط بوضوح رؤيته، وإنما أيضا بجودة الرجال والنساء الذين يتولون تنفيذه.
وإذا افترضنا، لا قدر الله، أن الفاعل السياسي لم يستوعب رسالة المرحلة، ولم ينجح في تقديم أفضل ما يزخر به من كفاءات ونخب، فإننا سنجد أنفسنا أمام مفارقة حقيقية: رؤية استراتيجية واضحة وطموحة، يقابلها رجال ونساء قد لا يكونون جميعا في مستوى تنزيلها.
وعندها، قد يجد البعض نفسه مضطرا إلى طرح سؤال ساخر بقدر ما هو مؤلم: هل سنحتاج إلى إحداث وكالة وطنية لتنفيذ الجزء الثاني من المسار التنموي؟
في تقديري، ان بلادنا في حاجة الى فاعل سياسي يثق في كفاءاته، ويبحث عنها داخل خزانه الحزبي، ويقدم للمغاربة أفضل ما لديه من رجال ونساء قادرين على تحويل الرؤية إلى إنجاز، والاختيارات الاستراتيجية إلى سياسات عمومية ناجحة.
وبين ما يقال وما لا يقال… ليست أزمة المشاريع الكبرى في غياب الرؤية، وإنما أحيانا في غياب الرجال والنساء القادرين على حملها.












































