– عبد الرفيع حمضي
في كثير من المدن والأحياء العتيقة، كان عندما يفتح أحدهم متجرا أو مقهى أو مطعما، يخصص اليوم الأول لإطعام الناس مجانا. لا يسأل من أين جاءوا، ولا ماذا يملكون، ولا إن كانوا سيصبحون زبناء دائمين. يكفي أنهم حضروا. إنها “العباسية”، عادة مغربية عريقة ينسبها الناس إلى أبي العباس السبتي، ذلك الرجل الذي خرج من سبتة واستقر بمراكش، وجعل من الجود فلسفة للحياة، حتى لخص ابن رشد مذهبه في عبارة خلدها التاريخ: “الوجود ينفعل بالجود”.
ومنذ قرأت رواية “جيران أبي العباس” للوزير أحمد التوفيق، لم أعد أنظر إلى أبي العباس باعتباره وليا صالحا فقط، بل باعتباره مرآة لمدينة كاملة. فالرواية لا تستعيد سيرة رجل، بقدر ما تستعيد زمنا، وتحيي مجتمعا، وتقدم للقارئ البيئة التي أنجبت أبا العباس، وجعلت من العلم والتصوف والكرم والتعايش قيما يومية، لا شعارات تروى في كتب التاريخ.
ومنذ ذلك الحين، كلما زرت ضريح أبي العباس ، لم أكن أزور الرجل فقط، بل كنت أزور سبتة في مراكش.
ولم أكن أرى في الضريح رجلا واحدا، بل مدينة سبتة بأكملها. مدينة أنجبت أبا العباس، والقاضي عياض، والشريف الإدريسي، وغيرهم من العلماء والفقهاء والرحالة الذين جعلوا من سبتة، في العصر الوسيط، واحدة من أعظم حواضر الغرب الإسلامي. هناك كان العلم جارا للكرم، وكان الفقه جارا للتصوف، وكانت المعرفة جارة للإنسان. وربما لهذا السبب اختار أحمد التوفيق أن يكتب عن “جيران أبي العباس”، لأن أبا العباس لم يكن استثناء، بل ثمرة مدينة صنعت القيم قبل أن تصنع الرجال.
لكن هذا الأسبوع، عادت إلي سبتة بصورة أخرى.
لم تعد إلي من الرواية.
ولا من الضريح.
ولا من كتب التاريخ.
عادت إلي سبتة من أفواه الأطفال.
حكى الأطفال عن العطش.
وحكى الأطفال عن الجوع.
وحكى الأطفال عن محلات أغلقت أبوابها.
وحكى الأطفال عن ماء أصبح أمنية في أيام الحر.
وحكت نساء عن الخوف والإرهاق، وحكى شباب عن ليال طويلة لم يكن أصعب فيها من البحث عن لقمة خبز أو قارورة ماء.

ولم تكن هذه الحكايات تؤلمني لأنها تتحدث عن الجوع والعطش فقط، فالجوع يزول، والعطش ينتهي. لكنها كانت تؤلمني لأنها كانت تعيد إلى ذهني، في كل مرة، صورة أخرى لسبتة. سبتة التي علمت المغاربة، من خلال أحد أشهر أبنائها، أن أول الطريق إلى العمران يمر عبر الجود، وأن أول امتحان للإنسان هو قدرته على أن يطعم الجائع ويسقي العطشان.
ربما تختلف الروايات حول تفاصيل ما وقع، لكن القيم الكبرى لا تختلف حولها الروايات. فلا حضارة تستحق اسمها إذا وقف طفل على أبوابها يبحث عن الماء، ولا مدينة يحتفي تاريخها بالجود إذا غادرها إنسان وهو يحمل في ذاكرته مرارة الجوع أكثر مما يحمل ذكرى الكرم.
ولعل هذا هو المعنى العميق الذي تركه أبو العباس السبتي، والذي التقطه أحمد التوفيق في روايته. فالرجل لم يورث المغاربة ضريحا يقصدونه فحسب، وإنما ورثهم قيمة يعيشونها. والدليل أن “العباسية” ما تزال حية بعد ثمانية قرون، بينما اندثرت عادات كثيرة كانت تبدو أقوى منها.
وبين ما يقال وما لا يقال… لا يسأل التاريخ المدن فقط عمن أنجبت من علماء وأولياء، بل يسألها أيضا: ماذا فعلت بالقيم التي تركها أولئك العلماء والأولياء وراءهم؟ وهل لازال الجود يسكن جيران أبي العباس بسبتة بعد احتلاها كما كان يسكن أبا العباس؟







































