لم يكن عود شرفات أفيلال إلى الحكومة مجرد عودة لاسم سبق أن شغل منصبا وزاريا، بل استعادة لمسار جمع بين التكوين الهندسي والعمل السياسي والتجربة الحكومية في قطاع الماء. وبعد سنوات من مغادرة الجهاز التنفيذي، تعود القيادية في حزب التقدم والاشتراكية إلى الواجهة، هذه المرة من بوابة وزارة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، في مرحلة تتزايد فيها التحديات المرتبطة بالأمن الطاقي وتدبير الموارد الطبيعية.
وتعيد هذه العودة إلى الواجهة تجربة سياسية انطلقت من الاهتمام بالملفات التقنية، قبل أن تتسع لتشمل العمل البرلماني والمسؤولية الحكومية. غير أن تولي حقيبة جديدة لا يمنح مسارها السابق حصانة من التقييم، بقدر ما يضعها أمام اختبار مختلف، عنوانه القدرة على تحويل الخبرة المتراكمة إلى سياسات تستجيب للتحولات الاقتصادية والبيئية التي يشهدها المغرب.
من تطوان إلى المدرسة المحمدية للمهندسين
وُلدت شرفات أفيلال في 10 أكتوبر 1972 بمدينة تطوان، وتابعت دراستها قبل أن تلتحق بالمدرسة المحمدية للمهندسين بالرباط، التي تخرجت منها سنة 1997، بتخصص في الهندسة الهيدروليكية.
وبدأت مسارها المهني في المجال التقني، إذ عملت مهندسة بالمكتب الوطني للماء الصالح للشرب، قبل أن تتولى مهمة مرتبطة بمراقبة البيئة داخل المركز الوطني للطاقة والعلوم والتقنيات النووية. وقد أتاح لها هذا المسار الاقتراب من ملفات الموارد المائية والبيئة من زاوية تقنية، قبل الانتقال إلى العمل السياسي والمؤسساتي.
ويشكل هذا التكوين أحد أبرز عناصر مسارها، بالنظر إلى طبيعة الملفات التي تولتها لاحقا. فالماء والطاقة والبيئة ليست قطاعات منفصلة عن رهانات التنمية، بل ترتبط بالأمن الاقتصادي والاجتماعي، وبقدرة الدولة على تدبير الموارد ومواجهة آثار التغيرات المناخية.
السياسة من بوابة العمل الحزبي
لم يكن انتقال أفيلال إلى السياسة منفصلا عن انخراطها المبكر في شبيبة حزب التقدم والاشتراكية. فقد شغلت عضوية المكتب الوطني للشبيبة الاشتراكية خلال الفترة الممتدة بين 1994 و1999، قبل أن تلتحق بالمكتب السياسي للحزب سنة 2000.
ومع مرور السنوات، انتقلت من العمل التنظيمي إلى المشاركة في المؤسسات المنتخبة. ففي سنة 2011، انتُخبت نائبة برلمانية عن مجموعة التقدم الديمقراطي، كما شغلت منصب النائبة الثامنة لرئيس مجلس النواب.
وقد أتاح لها العمل البرلماني الانخراط في النقاشات التشريعية والسياسية، وتوسيع حضورها داخل الحزب وخارجه. كما عزز ارتباطها بملفات السياسات العمومية، وهي الملفات التي ستشكل لاحقا محور تجربتها الحكومية.
تجربة حكومية ارتبطت بالماء
في أكتوبر 2013، دخلت شرفات أفيلال الحكومة بصفة وزيرة منتدبة مكلفة بالماء في حكومة عبد الإله بنكيران. واستمرت في القطاع خلال حكومة سعد الدين العثماني، قبل أن تغادر المسؤولية الحكومية سنة 2018، إثر حذف كتابة الدولة المكلفة بالماء ضمن إعادة هيكلة القطاعات الحكومية.
وكانت تلك التجربة مرتبطة بملف استراتيجي يزداد تعقيدا مع تراجع الموارد المائية وارتفاع الطلب عليها. وقد جعلت ندرة المياه وتحديات التزويد وحماية الموارد هذا القطاع في صلب النقاش العمومي، خاصة مع توالي سنوات الجفاف وتزايد الضغط على الفرشات المائية.
وخلال فترة مسؤوليتها، دافعت أفيلال عن أهمية منح الماء مكانة مركزية في السياسات العمومية، معتبرة أن تدبيره لا يمكن فصله عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما شددت في تصريحات سابقة على ضرورة تنويع مصادر التزويد، وعدم الاكتفاء بالحلول التقليدية في مواجهة تحديات الندرة.
لكن مغادرتها الحكومة سنة 2018 شكلت نهاية مرحلة من مسارها التنفيذي، قبل أن تواصل حضورها في الحياة السياسية والحزبية. وبعد ثماني سنوات، تعود إلى الحكومة في موقع مختلف، بينما يبقى الماء أحد أبرز الملفات الاستراتيجية في البلاد، وإن كان خارج الحقيبة التي أُسندت إليها هذه المرة.
عودة إلى الحكومة في قطاع استراتيجي
في 16 أكتوبر 2026، عُيّنت شرفات أفيلال وزيرة للطاقة والمعادن والتنمية المستدامة ضمن الحكومة الجديدة التي ترأسها فاطمة الزهراء المنصوري. ويضعها هذا التعيين أمام ملفات تتجاوز تجربتها السابقة في الماء، لتشمل الطاقة والثروات المعدنية والتوفيق بين متطلبات التنمية والحفاظ على البيئة.
وتواجه الوزارة رهانات متشابكة، من بينها تعزيز الأمن الطاقي، وتطوير الطاقات المتجددة، وتثمين الموارد المعدنية، وجذب الاستثمارات، مع مراعاة الالتزامات البيئية. وهي ملفات تتطلب تنسيقا بين المؤسسات والفاعلين الاقتصاديين، فضلا عن القدرة على الموازنة بين الحاجات الآنية ومتطلبات الاستدامة على المدى البعيد.
وتمنح خلفية أفيلال الهندسية وتجربتها الحكومية السابقة عناصر يمكن أن تساعدها على فهم بعض أبعاد هذه الملفات، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على نجاحها في المسؤولية الجديدة. فالتحدي الحقيقي يتصل بقدرتها على بلورة أولويات واضحة، وتقديم نتائج قابلة للقياس، وضمان ألا يتحول الانتقال الطاقي إلى شعار منفصل عن كلفته الاجتماعية والاقتصادية.
بين الخبرة التقنية والمحاسبة السياسية
تقدم تجربة شرفات أفيلال نموذجا لمسار انتقل من الممارسة التقنية إلى العمل الحزبي والبرلماني، ثم إلى المسؤولية الحكومية. وهي عودة تمنحها فرصة جديدة لتوسيع مجال تأثيرها في السياسات العمومية، لكنها تضعها أيضا أمام أسئلة تتعلق بمدى قدرتها على ترجمة خبرتها إلى قرارات ملموسة.
ففي قطاع الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، لن يكون معيار النجاح هو التكوين العلمي أو الأقدمية الحكومية وحدهما، بل ما ستقدمه الوزارة من حلول لتحديات الأمن الطاقي، وتطوير مصادر الطاقة المتجددة، وتثمين الموارد المعدنية، وتقليص التوتر بين الاستثمار وحماية البيئة.
وبين تجربة سابقة في تدبير الماء ومسؤولية جديدة في قطاع استراتيجي، تبدأ أفيلال مرحلة ثانية من مسارها الحكومي. أما الحكم على هذه العودة، فسيظل رهينا بما ستكشف عنه القرارات والنتائج، ومدى انعكاسها على حاجات المواطنين والاقتصاد الوطني








