حسن حمورو
مكانة المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي، ليست مجرد امتداد لرمزية تاريخية أو استناد إلى شرعية دستورية فقط، بل هي أيضا تعبير عن أدوار استراتيجية تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، تستمد أهميتها من قدرتها على ضمان الاستمرارية، وتوجيه الاختيارات الكبرى للدولة، وتعبئة مختلف القوى الحية حول القضايا المصيرية للأمة.
ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على هذه المكانة يقتضي من الجميع، مؤسسات دستورية وأحزابا سياسية ومراكز نفوذ، التمييز بين ما يدخل في نطاق المسؤولية الملكية، وما ينبغي أن يظل داخل دائرة التدافع والصراع السياسي المشروع، بعيدا عن محاولات استثمار المؤسسة الملكية في تصفية الحسابات، أو تدبير الصراعات على المواقع والنفوذ.
لقد ظل الملك محمد السادس، بما يملكه من شرعيات وبما يخوله له الدستور من اختصاصات، حريصا على القيام بأدواره في التعبئة الوطنية، ورسم التوجهات الاستراتيجية، وإصدار التوجيهات والتعليمات اللازمة لمواجهة القضايا الكبرى، وقد تجلى ذلك في عدد من الملفات ذات الحساسية السياسية والاستراتيجية، ومنها استئناف العلاقات مع إسرائيل، ومستجدات قضية الصحراء المغربية، وفي مقدمتها التطورات المرتبطة بتعميق مقترحات المغرب بشأن مبادرة الحكم الذاتي، لأنه في مثل هذه المحطات، لا يقتصر الدور الملكي على اتخاذ القرار أو تحديد الاتجاه، بل يمتد إلى استشراف التحولات، وتوسيع دائرة التشاور، وإشراك القوى الحية والشخصيات الوطنية، بما يعزز الإجماع حول القضايا التي تتجاوز في أهميتها حدود التنافس الحزبي والحسابات الانتخابية.
أما فيما يخص تدبير الشأن الانتخابي والحكومي، فإنه يقتضي احترام منطق دستوري مختلف، قوامه التمييز بين الاختصاصات الملكية والمسؤوليات الحزبية والحكومية، ففي الاستحقاقات الانتخابية لـ23 شتنبر 2026، جرى التأكيد على ضرورة توفير شروط النزاهة والشفافية، حتى يكون الاحتكام إلى صناديق الاقتراع هو المحدد للنتائج، وتكون الإرادة الشعبية هي أساس ترتيب المسؤوليات السياسية، وبعد الإعلان عن النتائج، رغم الاختلالات التي شابت العملية والتي كان ابطالها فاعلون حزبيون، تم تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر الانتخابات، وفقا لمنطوق الفصل 47 من الدستور، رغم ما أثارته صيغة القيادة الجماعية داخل الحزب المعني وهو “الاصالة والمعاصرة”، من نقاش بشأن طبيعة الممارسة التنظيمية وحدود انسجامها مع منطق المسؤولية السياسية، وهو ما يبرز أن الملكية انتصرت للاحتكام إلى القواعد الدستورية وجعلته مرجعا حاسما، بعيدا عن الرغبات الشخصية والتوازنات الظرفية داخل الأحزاب.
ولم يتوقف المسار عند تعيين رئيس الحكومة، بل واكب الملك عملية تشكيل الحكومة من خلال الإعلان عن لقاء ثان مع رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري بعد تعيينها، في إطار الاختصاصات الدستورية، قبل تعيين الوزراء الذين اقترحتهم رئيسة الحكومة، وفي هذا المربع، تبرز أهمية المسؤولية السياسية للأحزاب ورئيسة الحكومة، ذلك أن اقتراح الأسماء المرشحة للاستوزار، ليس إجراءا شكليا، وقبول المرشحين ليس مجرد استكمال لمسطرة معينة، بل هو تعبير عن تقدير سياسي يفترض أن يكون قائما على الكفاءة، والجاهزية لتحمل المسؤولية، والقدرة على الوفاء بالتزامات المنصب، ولذلك فإن أي خلل يظهر في هذه العملية ينبغي أن يدفع أصحابه إلى مراجعة اختياراتهم وتحمل مسؤولياتهم، لا إلى تحويل المؤسسة الملكية إلى طرف في تداعيات قرارات لم تكن هي صاحبة المبادرة السياسية بشأنها.
وهذا يعني أن طلب إعفاء الوزيرة الاستقلالية مديحة خيير التي لم يمضِ على تعيينها سوى 48 ساعة، بصرف النظر عن الأسباب الحقيقية التي قد تكون وراء هذا الطلب، يثير إشكالا سياسيا ومؤسساتيا يتجاوز شخص الوزيرة ذاتها، لأن المسألة لا تتعلق فقط بتراجع حزب عن اختيار، أو اكتشاف خلل في تقدير سابق، وإنما بكيفية تدبير هذا التراجع، وبالرسائل التي يبعث بها إلى الرأي العام بشأن جدية الحزب الذي تنتمي إليه، وجدية رئيسة الحكومة كذلك في تحمل مسؤولياتها، واحترامها لهيبة المؤسسات، وقدرتها على التمييز بين القرار الحزبي وتبعاته الدستورية.
إن الانتقال السريع من اقتراح اسم إلى طلب إعفائه يطرح، في الحد الأدنى، سؤالا عن مدى استكمال الفحص السياسي والأخلاقي والمؤسساتي الذي يُفترض أن يسبق تقديم المرشحين للمناصب السياسية ومنها الوزارة، ومن شأن هذه الواقعة أن تضع المؤسسة الملكية في قلب نقاش عام كان ينبغي أن يتجه أساسا إلى الحزب الذي اقترح الوزيرة، وإلى رئيسة الحكومة التي قبلت الاقتراح ورفعته في إطار المسطرة الدستورية، أي أنه إذا كان حزب الاستقلال قد أخطأ في الاختيار، فالمسؤولية السياسية تقتضي منه تفسير خطئه للرأي العام، وإذا كانت رئيسة الحكومة قد قبلت اسما تبين لاحقا وجود ما يستدعي التراجع عنه، فمن حق الرأي العام أن يتساءل عن معايير الاختيار، وعن طبيعة التقييم الذي سبق الاقتراح، وعن مدى احترام مقتضيات الجدية والثقة في تشكيل الحكومة، أما أن تنتقل تبعات هذه الأسئلة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى المؤسسة الملكية، لمجرد أن التعيين صدر في إطار اختصاصاتها الدستورية، فذلك خلط معيب بين المسؤولية عن الاقتراح والمسؤولية عن التعيين، وبين التدبير السياسي والقرار الدستوري.
والمقلق في هذه الواقعة، هو المقامرة بتحويل الرأسمال الرمزي والدستوري للدولة، إلى عنصر في صراعات حزبية أو رهانات شخصية، ينسى أصحابها أن المؤسسة الملكية ليست مظلة يمكن الاحتماء بها عندما تكون القرارات مناسبة، ثم تركها تتحمل كلفة الارتباك عندما تتعثر الحسابات، وليست كذلك أداة لتدبير التوازنات الداخلية للأحزاب، أو لتصفية الخلافات بين مراكز النفوذ المتنافسة، ومنطق الدولة يقتضي أن تتحمل كل جهة وكل طرف تبعات قراراتهما في حدود اختصاصاتهما، وأن تظل المسؤولية السياسية واضحة ومحددة، حتى لا تتحول المؤسسات إلى واجهة تحجب الفاعلين الحقيقيين وراء القرارات.
إن الأحزاب السياسية مطالبة اليوم بأن تدرك أن المشاركة في تدبير الشأن العام ليس امتياز للوصول إلى المناصب الحكومية، بل هي مسؤولية تقتضي الاستعداد السياسي والأخلاقي المسبق، والوضوح في الاختيارات، والقدرة على تحمل النتائج، وتدرك أن التنافس على المواقع والنفوذ، مهما كان طبيعيا في الحياة السياسية، ينبغي أن يظل محكوما بقواعد تحمي المؤسسات من الاستنزاف الرمزي، وتصون الثقة العامة من آثار الارتباك والتناقض المحتملين، إذ لا يمكن بناء ممارسة سياسية مسؤولة إذا ظلت بعض الأحزاب تتعامل مع التعيينات الحكومية بمنطق التجريب، أو إذا استمرت بعض مراكز النفوذ في خوض صراعاتها عبر مؤسسات الدولة، ثم تترك للرأي العام مهمة البحث عن المسؤول الحقيقي وراء كل أزمة.
هذه إشارات في أهمية وضرورة إبعاد الملك عن الحسابات الصغيرة، وهدفها حماية التوازن الضروري بين الملكية الدستورية والمسؤولية الحزبية والحكومية، لأن الملك يضطلع بأدواره الدستورية والاستراتيجية في خدمة الدولة واستقرارها وتوجهاتها الكبرى، أما الأحزاب والحكومة فعليهما أن يتحملا مسؤولية اختياراتهما وقراراتهما وتناقضاتهما كذلك، وبين المجالين ينبغي أن تكون الحدود واضحة، لا بقصد الفصل المصطنع بين مؤسسات تعمل داخل نظام دستوري واحد، بل ضمانا لعدم تحويل الاختصاصات إلى أدوات لتبادل المسؤولية أو لإخفاء الإخفاقات.
إن الدولة القوية لا تحتاج إلى أحزاب معصومة من الخطأ، بل إلى أحزاب تعترف بأخطائها وتتحمل نتائجها، ولا تحتاج إلى صراعات سياسية تحت طاقية الإخفاء، بل إلى صراعات تدور داخل حدود المؤسسات والقواعد الدستورية، أما أخطر ما يمكن أن يصيب الممارسة السياسية في أجواء إقليمية مضطربة، فهو أن يتم الدفع بالمؤسسة الملكية لتصويرها طرفا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في حسابات لا تعبر عن رهانات الدولة الكبرى، وإنما عن صراع على المواقع والمكاسب والنفوذ، ولذلك، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي من الجميع أن يحموا المؤسسة الملكية من التوظيف السياسي الضيق، وأن يتركوا للأحزاب والحكومة ما يجب أن تتحملاه وحدهما، أي مسؤولية الاختيار، وشجاعة القرار، وتحمل كلفة الخطأ.








