قراءة في المشهد السياسي المغربي على إثر تعيين فاطمة المنصوري رئيسة للحكومة

قراءة في المشهد السياسي المغربي على إثر تعيين فاطمة المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة

أحمد الدرداري أستاذ العلوم السياسية بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان

انطلاقا من التحولات التي عرفتها بنية السلطة التنفيذية، وطبيعة التوازنات الحزبية، والعلاقة بين المؤسسات الدستورية، وقدرة النسق السياسي المغربي على تغيير ذاته، ورفع تحدي الاستجابة لانتظارات المواطنين الاجتماعية والاقتصادية. جاء تعيين جلالة الملك للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة رسميًا، طبقا للفصل 47 من الدستور، مما حرك الأقلام والمنابر لرسم معالم سيناريوهات بدلالات دستورية وسياسية واستحضار قراءات حول قدرات المرأة المغربية على تدبير مسؤولية رئاسة الحكومة لأول مرة في تاريخ المغرب السياسي.

ويمكن القول ان تعيين امرأة على رأس الحكومة يمثل تحولا في التمثيل السياسي، كما يعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري سابقة في تاريخ المغرب السياسي، حيث أملت قواعد اللعبة تعيين امرأة لتتولى رئاسة الحكومة لأول مرة، بحكم انها تشغل منسقة حزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما تصادف مع إعمال العرف الدستوري المتعلق بتعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر الانتخابات، وتوالي تعيين المسؤول الاول في الحزب المتصدر الانتخابات في الحكومات السابقة، حيث دأب جلالة الملك على تعيين الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار وقبله الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المتصدرين للانتخابات التشريعية منذ 2011 – 2016 – 2021.

ومن جهة أخرى فان المشاركة السياسية للمرأة أملت توسيع حضورها في أعلى مستويات السلطة التنفيذية إعمالا لمبدأ المساواة المقرر دستوريا في الفصل 19، وهو ما يعتبر تتويجا للمشاركة النسائية وتكريسا لتمثيلها داخل المؤسسات المنتخبة وتمكينها من حق ممارسة القيادة وصناعة القرار السياسي.

وفي المقابل نجد من يثير مسألة قدرة المرأة على إحداث تحول فعلي في السياسات العمومية، خصوصًا في مجالات العدالة الاجتماعية، والعدالة المجالية والتمكين الاقتصادي للنساء، وتكافؤ الفرص، وتشبيب وتجديد النخب. والبداية مع تولي امرأة رئاسة الحكومة، أما تحقيق المساواة السياسية بشكل كلي، ما يزال بعيدا ما لم تتولى النساء رئاسة نصف الاحزاب السياسية والمجالس المنتخبة، دون تمييز . بالرغم من وجود من يثير المكانة والحدود الدينية لحضور المرأة في الحياة العامة، علما ان التمثيلية النسائية في الاحزاب ذات مرجعية دينية تفوق المستوى العادي، وحتى عند بعض التنظيمات الدينية، ولهذا فوضعية المرأة من الناحية الدينية تبقى من اختصاص العلماء، ولا يحق لغيرهم الغوص فيه، حيث المجال يحتاج إلى أهل العلم والاختصاص.

بينما في المجال السياسي والقانوني يمكن القول أن تشكيل الحكومة يستند إلى التعيين الملكي طبقا للفصل 47 من دستور 2011، والذي يفرض تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدّر انتخابات مجلس النواب. ذلك ان نتائج الانتخابات كاختيار دستوري، وقيادة الملك للمسار المؤسساتي يحددان تشكيل الحكومة، حيث ان المؤسسة الملكية والحكومة والبرلمان لها اختصاصات دستورية، وبينها علاقات توازن وتعاون تمثل بنية الدولة الدستورية ونشاطها.

وان المفاوضات والمشاورات ستختبر قدرة رئيسة الحكومة على تدبير التوازنات. و لا يكفي الاتفاق حول عملية توزيع الحقائب الوزارية، بل صياغة البرنامج الحكومي بتوافق من الأغلبية، وتحديد الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، وآليات التنسيق بين مكونات الأغلبية. ناهيك عن التواصل المستمر مع المعارضة التي منحها الدستور آليات التأثير في طبيعة التوازن البرلماني. وبحكم حجمها، ومدى تماسكها، وقدرتها على مراقبة العمل الحكومي، و التعايش بينها وبين الاغلبية البرلمانية والحكومة ستكون صعبة، وشبيهة بوضعية التعايش السياسي المعمول به في فرنسا.

فالمغرب اليوم أمام تشكيل خريطة سياسية وطنية جديدة تعتبر من منظور علم السياسة مؤشرًا يحتاج إلى قراءة أعمق في العلاقة بين الأحزاب والمجتمع، وتستحضر جودة المشروعية الانتخابية التي تطرح قدرة الحزب الفائز على تحويل تصدره العددي إلى شرعية اتخاذ القرارات القانونية والسياسية والاجتماعية، وتراعي حقوق الأجيال والتعددية الاجتماعية والمجالية، وتحافظ على الوساطة الحزبية وتضع الوعود التي أعطيت للمواطنين في البرنامج الحكومي من أجل التنفيذ.

ان رئيسة الحكومة أمام امتحان الثقة ومواجهة المساءلة بنوعيها السياسي والمجتمعي، وان الثقة تتطلب إتقان بناء الاغلبية، والسعي لإرضاء المواطنين بالاستجابة لمطالبهم الاجتماعية بتشكيلة حكومية تعددية.

فالاغلبية الحكومية ليست نهاية العملية السياسية، بل بدايتها الفعلية. والحكومة الجديدة ستواجه ملفات مهمة لكنها ليست عصية على حكومة تقودها امرأة متمرسة سياسيا وذات كفاءة بطعم حقوقي وقضائي لاسيما انها تشتغل كمحامية.

والمرحلة المقبلة للحكومة الجديدة تقتضي امتصاص البطالة، وتوسيع فرص الاندماج الاقتصادي، واستنهاض ادوار الدولة الاجتماعية بتحسن جودة الخدمات الصحية والتعليمية، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحقيق التوازن بين الاستدامة المالية والعدالة في توزيع ثمار التنمية. إضافة إلى الحد من السرعتين ومواجهة الاختلالات المجالية وأزمة الحكامة الترابية، عبر التنسيق وتفعيل الالتقائية بين الحكومة والجماعات الترابية، وربط المشاريع العمومية الوطنية بحاجات السكان وتحقيق نتائج قابلة للقياس، وتقليص السرعة بين الإنجاز وجودة الخدمات، وتقوية تمويل الالتزامات الاجتماعية.

فانطلاق المرحلة الاولى من المشاورات لتشكيل الأغلبية الحكومية، تراعي حدود استقلال القرار الحزبي، والعلاقة بين رئاسة الحكومة والمؤسسة الملكية، وموقع البرلمان كمؤسسة تشريعية ورقابية وفي نفس الوقت تبحث في بناء تحالف يقود المرحلة بنجاح وتحكمه روح الالتزام و روح الفريق .

وتجدر الاشارة إلى أن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يمثل محطة جديدة في تطور المشهد السياسي المغربي، ليس فقط لكونها أول امرأة تتولى هذا المنصب، وإنما لكونه يمثل اعترافًا صريحا بقدرة المرأة المغربية على قيادة الحكومة، وأن تجربة القيادة النسائية لبعض المؤسسات اثبتت ان المرأة أقل فسادا، والدلالة الحقيقية لهذا التعيين لن تتحدد بالرمزية التاريخية وحدها، بل بدخول المغرب الى تجربة ديمقراطية متفوقا بها على دول غربية تصف أنظمتها السياسية بالديمقراطية، ناهيك عن كون المغرب ثاني دولة عربية بعد تونس تتوج المرأة بتقلد منصب رئاسة الحكومة.

ويبقى التحدي المطروح اليوم هو الانتقال من منطق عرض مناقشة النتائج الانتخابية إلى منطق المشاركة في بناء الحكومة، و التوافق حول كيفية تدبير التوازنات السياسية و إنتاج سياسات عمومية تستجيب لانتظارات الشباب والمرأة، وتقلص الفوارق المجالية.

ذلك ان المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيا للحكومة والأحزاب والبرلمان سواء لقدرتها على التغيير، او لجودة الوساطة السياسية، أو لمدى تطور العلاقة بين الإدارة والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *