لم يعد الجدل الدائر حول المجلس الوطني للصحافة خلافًا تقنيًا أو تأخرًا إجرائيًا يمكن تبريره بظروف عابرة. ما نعيشه اليوم هو سؤال سياسي صريح: من يملك قرار الصحافة، المهنيون أم السلطة التي تدّعي تنظيمها؟
انتهت ولاية المجلس، فكان التمديد. ثم استُنفدت مبررات التمديد، فاستمر الوضع نفسه. لا انتخابات، لا أفق واضح، ولا موعد للحسم. وبين مرحلة وأخرى، تآكلت فكرة التنظيم الذاتي، وتحولت من مبدأ مؤسس إلى شعار مؤجل.
وزارة التواصل، بقيادة مهدي بنسعيد، لم تعد تكتفي بدور الإشراف، بل أصبحت فاعلًا مباشرًا في مسار الأزمة. خطاب حداثي في العلن، وتدبير حذر في العمق. حديث متكرر عن الإصلاح، مع تفادٍ دائم لجوهره: إعادة القرار إلى الجسم الصحفي.
كل ما يُقدَّم اليوم كحل مؤقت، سرعان ما يتحول إلى وضع دائم. التمديد يصبح قاعدة، وغياب الشرعية يُسوَّق كضرورة، والمهنة تُطالَب بالصبر، وكأن حقها في اختيار ممثليها ترف يمكن تأجيله.
المشكل لم يعد مرتبطًا بالأشخاص أو التوازنات الظرفية، بل بالمنهج المعتمد. حين تُدار الصحافة دون الصحافيين، وحين يُصاغ مستقبل المهنة خارج منطق الانتخاب، لا نكون أمام تنظيم ذاتي، بل أمام وصاية ناعمة، تُغلف بالقانون وتُبرر باسم الاستقرار.
الدولة التي تثق في مؤسساتها لا تخشى مجلسًا مستقلًا، حتى وإن كان ناقدًا أو مزعجًا. أما تأجيل الحسم باسم الحكمة والتدرج، فليس سوى إدارة للزمن، لا حلًا للأزمة.
اليوم، لم يعد السؤال: متى سيتم الإصلاح؟ بل: هل هناك إرادة حقيقية له أصلًا؟
إما انتخابات مهنية واضحة، بقواعد شفافة وحياد حكومي فعلي، أو استمرار وضع معلّق سيعمّق فقدان الثقة، داخل المهنة وخارجها.
الصحافة لا تحتاج مجلسًا هادئًا، بل مجلسًا شرعيًا. وما عدا ذلك، مجرد تأجيل لأزمة لن تختفي بالصمت.








































