في كل عام، يشكل اليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد مناسبة لإعادة تسليط الضوء على اضطرابات طيف التوحد، غير أن النقاش العمومي يظل في الغالب حبيس الطفولة، متجاهلا فئة واسعة من البالغين الذين يعيشون في الظل، دون تشخيص أو دعم، رغم معاناتهم اليومية المعقدة.
في المغرب، تشير تقديرات غير رسمية إلى أن ما بين 338 ألفا و740 ألف شخص قد يكونون مصابين بالتوحد، في ظل غياب دراسات وبائية دقيقة. هذا الرقم، الذي يعكس اتساع الظاهرة، يخفي وراءه واقعًا أكثر تعقيدًا، حيث يقضي عدد كبير من البالغين سنوات طويلة دون أن يدركوا أن صعوباتهم الاجتماعية والنفسية مرتبطة باضطراب عصبي نمائي، وليس مجرد “طبع شخصي” أو ضعف في التكيف.
تشخيص متأخر… ومسارات حياة مرتبكة
تكمن إحدى أبرز إشكاليات التوحد لدى البالغين في صعوبة تشخيصه، إذ غالبًا ما يطور الأفراد ما يُعرف بـ”التمويه الاجتماعي”، وهي آليات تكيف تمكنهم من تقليد السلوكيات الاجتماعية وإخفاء اختلافهم. غير أن هذا التكيف الظاهري يأتي بثمن نفسي باهظ، يتمثل في الإرهاق المزمن، والقلق، ونوبات الاكتئاب.
قصص عديدة، مثل حالة “هبة” أو “يوسف”، تعكس هذا المسار المتعثر، حيث يعيش الأفراد شعورًا دائمًا بالغربة عن محيطهم، مع صعوبة في فهم القواعد الاجتماعية الضمنية أو بناء علاقات مستقرة، سواء في الحياة الشخصية أو المهنية.
سوء الفهم… وإقصاء غير معلن
في بيئات العمل، غالبًا ما تُفسر صعوبات المصابين بالتوحد بشكل خاطئ، إذ تُعزى إلى ضعف التحفيز أو قلة الانخراط، بدل فهمها كجزء من خصوصية عصبية تحتاج إلى تكييف ملائم. كما أن البيئات الصاخبة أو غير المتوقعة تشكل عبئًا إضافيًا، ما يؤدي إلى مسارات مهنية غير مستقرة.
ويزداد الوضع تعقيدًا في ظل استمرار الصور النمطية والأحكام المسبقة، التي تعيق الاعتراف بالتوحد لدى البالغين، وتؤخر طلب المساعدة أو التشخيص، ما يفاقم من العزلة الاجتماعية.
غياب العلاج… والحاجة إلى مواكبة شاملة
رغم التقدم العلمي، لا يوجد علاج نهائي لاضطرابات طيف التوحد، غير أن التكفل بها يركز على تحسين جودة الحياة عبر مقاربات متعددة، تشمل العلاجات النفسية، والدعم السلوكي، والترويض النفسي الحركي، وتقويم النطق.
كما يمكن اللجوء إلى علاجات مرافقة للتخفيف من القلق أو الاكتئاب، دون أن تمس بطبيعة الاضطراب ذاته، ما يجعل من المواكبة المستمرة شرطًا أساسيًا لتحقيق التوازن النفسي والاجتماعي.
رهان الإدماج… بين الوعي والسياسات العمومية
أمام هذا الواقع، يبرز تحدي إدماج البالغين المصابين بالتوحد كأحد أبرز رهانات السياسات العمومية، سواء على مستوى التشخيص المبكر أو تكييف بيئات العمل والتعليم، أو تعزيز الوعي المجتمعي.
فالتوحد، كما تؤكد التجارب الإنسانية، ليس عائقًا في حد ذاته، بل يصبح كذلك حين يفشل المجتمع في فهمه واحتضانه. وبين معاناة صامتة واعتراف متأخر، يبقى الأمل معقودًا على انتقال حقيقي من منطق التجاهل إلى منطق الإدماج، ومن الغموض إلى الفهم.









































