تراجع نفوذ تنظيم “داعش” في معاقله التقليدية بسوريا والعراق لم ينهِ الخطر الإرهابي، بل أعاد تشكيله في صورة أكثر تعقيدًا ومرونة. ففي ظل ضعف البنية التنظيمية للجماعات المتطرفة، برزت ظاهرة “الذئاب المنفردة” كأحد أخطر أشكال التهديد الأمني، حيث يتحرك الأفراد بشكل مستقل، متشبعين بخطاب أيديولوجي متطرف، دون ارتباط تنظيمي مباشر.
واقعة توقيف شاب في الثامنة عشرة من عمره بإقليم سطات، بعد تبنيه الفكر الداعشي، أعادت إلى الواجهة النقاش حول قدرة الشبكة العنكبوتية على التحول إلى بيئة خصبة لتغذية التطرف، بعيدًا عن الهياكل التقليدية للإرهاب. فالمعركة لم تعد تدور فقط في ساحات القتال أو من خلال ضربات أمنية تستهدف الخلايا النائمة، بل امتدت إلى ميدان غير مرئي، حيث تختلط الدعاية، والتحريض، والتعبئة الفكرية، داخل فضاء رقمي يصعب ضبطه بالكامل.
الذئاب المنفردة، وفق التعريف الأمني، هم أفراد ينفذون عمليات إرهابية أو هجمات عنيفة بمفردهم، اعتمادًا على إمكانياتهم وخبراتهم الذاتية، ودون توجيه مباشر من تنظيمات كبرى. استمرار هذا النمط من الإرهاب، رغم انهيار كثير من قواعده في بؤر التوتر، يعكس عمق الجذور الفكرية التي ترسخت عبر عقود، روجت لثقافة الكراهية وسوء تأويل النصوص الدينية، وصولًا إلى تكفير المختلفين واعتبار العالم الخارجي، خاصة الغربي، عدوًا يجب استهدافه.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن هذا الموروث الفكري وجد في الإنترنت ملاذًا آمنًا للاستمرار والتطور. فمن خلال الشبكة العنكبوتية، يتواصل المتشددون، يتبادلون الخبرات، ويستقطبون عناصر جديدة، دون الحاجة لاجتماعات سرية أو قنوات اتصال ميدانية، مما يجعل من الصعب على الأجهزة الأمنية تتبع كل الخيوط في الوقت الفعلي.
التحولات التكنولوجية، خاصة بعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي منذ منتصف العقد الأول من الألفية، ضاعفت من خطورة الظاهرة. فالمنصات الرقمية أصبحت ساحات مفتوحة لنشر مشاهد العنف، والتعبئة العاطفية، والتحريض على الكراهية، بل وتحويل قضايا سياسية أو دينية إلى ما يشبه “حروبًا افتراضية”. ورغم أن معظم هذه الحروب تبقى حبيسة العالم الرقمي، إلا أن “الذئب المنفرد” يظل أكثر قابلية لترجمة هذه المواقف إلى أفعال على أرض الواقع.
اليوم، يدرك الأمن المغربي أن التهديد لم يعد محصورًا في خلايا إرهابية منظمة يمكن تفكيكها بعملية استباقية، بل يمتد إلى فضاء افتراضي متشعب، حيث يمكن لمنشور، أو رسالة مشفرة، أو فيديو دعائي أن يكون نقطة الانطلاق لعمل إرهابي. وهنا، تصبح المواجهة مزدوجة: أمنية، عبر الملاحقة والرصد، وفكرية، عبر تجفيف منابع التطرف وبناء وعي مجتمعي قادر على الصمود أمام موجات التحريض الرقمي.
و تشير أحدث التقارير الدولية إلى تصاعد واضح في ظاهرة هجمات “الذئاب المنفردة” حول العالم. ففي الدول الغربية، بات هذا النمط من الإرهاب يشكل الغالبية العظمى من الهجمات المميتة، حيث وصلت نسبة الهجمات المنفذة بواسطة منفردين إلى 93% من الحالات في السنوات الخمس الماضية .
كما شهد عدد الدول التي تعرضت لهجمات إرهابية زيادة ملموسة، إذ ارتفع هذا العدد من 58 دولة في عام 2023 إلى 66 دولة في عام 2024، مما يعكس انتكاسة أمنية عالمية بعد عقد تقريبًا من التراجع .
تحليلات أخرى، منها تقرير صادر عن معهد “الاقتصاد والسلام”، تؤكد أن هجمات الذئاب المنفردة أصبحت أكثر شيوعًا من تلك التي تنفذها الجماعات الإرهابية المنظمة، وهو ما يعكس تحولًا جذريًا في طبيعة التهديدات الإرهابية .
وفي تطور مشابه، ارتفعت نسبة الهجمات التي لم يُعزى تنفيذها إلى أي تنظيم إلى نحو 60% من إجمالي الحوادث الإرهابية، ما يعكس الدور المتزايد للتجنيد الذاتي عبر المنصات الرقمية وسهولة الوصول إلى المحتوى المتطرف .
هذه البيانات تؤكد أن “الذئاب المنفردة” لم تعد شكلًا هامشيًا من الإرهاب، بل أصبحت الهيكل الأكثر انتشارًا والأصعب في المتابعة، مما يتطلب تعزيز استراتيجية متكاملة تجمع بين المراقبة الرقمية والمعالجات الفكرية المجتمعية.









































