أحمد الدرداري، أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان
الروح الوطنية والهوية الراسخة أساس تولي المسؤولية في خطاب افتتاح البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة.
– السياق الوطني والدولي للخطاب الملكي.
استهلّ جلالته الخطاب بالتهنئة لأعضاء مجلس النواب، على الثقة التي وضعها فيهم الناخبون.
واعتبر جلالة الملك ان سياق الولاية جاء في ظرفية استثنائية، حيث ان المرحلة حافلة بالفرص بالنظر إلى ما هو متاح وما هو مضمون من خلال الزخم الكبير الذي تحقق، وهي فرص قد لا تتكرر، وتتطلب اغتنامها ومواصلة الإنجازات في مختلف المجالات.
– الطموحات والأهداف والانتظارات.
إن المنتظر من البرلمانيين أن يجعلوا من الولاية التشريعية والحكومية الجديدة، منعطفا حقيقيا لمواصلة طموح المغرب، كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، في توازن وانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.
– النقد الذاتي الهوياتي.
قال جلالته بأن أغلى إحساس عنده في حياته، هو اعتزازه بمغربيته، وهو ما يدل على ان الهوية المغربية والأصالة الوطنية والانتماء التاريخي هو اليقين الثابت والمتجدر لدى جلالته وهو الدافع إلى خدمة الوطن بكل تفان، ويزيد رسوخا مع توالي السنين، مما يعكس نموذج المواطنة الصادق والحقيقي لدى جلالته، وكأنه يدعو البرلمانيين إلى تصحيح انتمائهم والتشبع بهويتهم ووطنهم، والفصل بين الغيورين والمنتقدين لوطنيّتهم والمهملين لقيمة وطنهم. وتذكيرهم بأن المغرب أمة من أعرق الأمم في العالم، تحت راية ملكية عريقة، ومن أقدم الملكيات في التاريخ.
كما دافع جلالته عن المواطنين الوطنيين المغاربة ودعاهم إلى الاعتزاز بهويتهم الدينية الأصيلة، في ظل إمارة المؤمنين، وبالهوية الحضارية المتميزة، الغنية بتعدد مكوناتها، لاسيما وان الصراعات الدينية والطائفية والمذهبية التي تعرفها المجتمعات والدول تمس بأمنها واستقرارها، وتغدي الصراعات وتسبب الفوضى والحروب.
وما تحقق من مكاسب سياسية ودبلوماسية، ومن إنجازات تنموية واقتصادية واجتماعية، يدعو إلى الاعتزاز، حيث غير ذلك من صورة المغرب، والفضل يعود إلا اختيار المملكة المغربية للوسطية والاعتدال والتسامح والتعايش بين الثقافات والحضارات والشعوب. وخلص إلى أن الاعتزاز بالوطن، ليس من أجل التباهي، والتعبير عن الرضى عن النفس، بل هو الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني.
– توجهات المغرب في سياق دولي متسارع.
في ظل سياق عالمي يتسم بتسارع التحولات الجيو – اقتصادية، استنهض المغرب بفضل الرؤية الملكية الحكيمة بمقاربة غيرت وضعية المغرب الاقتصادية، واتسمت بالوضوح، وبدينامية جديدة من الإصلاحات والمشاريع الكبرى.
– إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى.
تم التركيز على خمسة مجالات استراتيجية وهي الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى تعزيز الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين المواد الأساسية.
ذلك ان تأكيد جلالته على إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الحيوية الكبرى، لاسيما في المجالات السالفة الذكر تعتبر ملامح المغرب الصاعد بين الدول المتقدمة.
وتماشيا مع التوفعات وما يتطلبه المحيط الدولي المتحول باستمرار من أخذ للاحتياطات دعى جلالته إلى التعجيل بتطوير قدرات المملكة، في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية، كما دعا القطاع الخاص الوطني إلى الارتقاء إلى فاعل استراتيجي، في التحول التنموي الوطني، وأن يكون أكثر مبادرة وابتكارا، وأكثر قدرة على خلق فرص الشغل، وعلى الاستثمار والتصدير.
– الشباب عنوان للدولة الاجتماعية في صدارة الاهتمام الملكي.
أمر جلالته بوضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال وضع تصور متكامل، يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.وتعزيز الثقة في قدرت الشباب على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم، لبناء مستقبل أفضل، في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.
– تتربة التنمية كحل للاختلالات المجالية.
قال جلالته إن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة، هو العمل الميداني، على المستوى الترابي، وما يتطلبه ذلك هو الوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها، وربط النهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، والمرتبط ارتباطا وثيقا بمسار الجهوية المتقدمة، وتفعيل اللاتمركز الإداري.
واعتبر جلالته أن التأخير والاختلالات، التي لا تزال تعرقل تنزيل اللامركزية واللا تمركز الإداري، تنعكس سلبا على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعيق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين، وتوسع الفارق بين السرعتين.
وقد شدد جلالته على تفادي التأخير، واعتبره من غير المقبول أي تأخير أو تماطل، في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يقتضيه من نقل للصلاحيات، والموارد البشرية والمالية الضرورية، من المركز إلى الأقاليم والجهات كوحدات ترابية لتفعيل ميثاق اللاتمركز . كما رفض العراقيل، التي لا تزال تعيق عمل مؤسسات الجهة، لاسيما الغموض المتعلق باختصاصاتها، والرفع من مواردها البشرية والمادية، كما دعى إلى تنظيم العلاقة بين الدولة والجهات، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد، لتمكين الجهات من اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع.
– تذكير بمكانة المغرب و صدقية التعامل مع التزاماته الدولية.
أشار جلالته إلى تمكين المملكة من ترسيخ مكانتها، على الصعيد الدولي، كشريك مسؤول وموثوق، يحرص على تنفيذ التزاماته، وينتظر من شركائه نفس التعامل، ولو تطلب الأمر التعامل بالمثل أو العمل بما يناسب دون الانتقاص من التزاماته. وان المقاربة المتوازنة المعتمدة على مستوى تدبير ظاهرة الهجرة، أسفرت عن نتائج ملموسة، إلا ان النموذج الحالي للتعاون حسب جلالته في مجال الهجرة أصبح متجاوزا، والأزمات المتكررة خير شاهد على ذلك.
– إسبانيا مثال على الإخلال بالتزاماتها والتناقض في التعاطي مع ظاهرة الهجرة غير الشرعية.
جلالة الملك نقل موضوع الهجرة إلى قبة البرلمان في خطاب افتتاح السنة التشريعية الاولى، مؤكدا على أن النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة أصبح متجاوزا، بسبب الأزمات المتكررة وامتحان الهجرة الجماعية الأخيرة إلى سبتة شاهد على ذلك، حيث وقف جلالته عند تلاعب الجارة إسبانيا بالشراكة السيادية التي رغم انها عرفت تطورات مهمة، في مختلف المجالات، بما في ذلك محاربة الهجرة غير الشرعية، إلا ان التعاون أصبح يواجه تحديات كبيرة، مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية المتجاوزة، والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع، التي منعت ترحيل الأطفال القاصرين، والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتغذي أطماع الشبكات الإجرامية.
ونظرا لوجود تصريحات لامسؤولة، والاستغلال المفضوح لبعض الأوساط السياسية والإعلامية، فإن جلالة الملك يؤكد على طبيعة الشراكة التي هي اختيار سيادي، والتزام إرادي، رافضا ان تكون محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز.
وفي هذا الإطار، ينتظر إصدار وثيقة واضحة وعملية تتضمن رؤية استراتيجية سيقدمها المغرب لشركائه الاوربيين بما فيهم اسبانيا، تؤسس لتوجه جديد، يعزز التنمية المشتركة، والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي.
فاسبانيا ملزمة باحترام الشراكة كاختيار سيادي والا سيتم مراجعة الشراكات معها بسبب تناقض مواقفها.
ويعتبر وقوف جلالته عند الجارة الشمالية مهما، وانتقادا جريئا لها في مجال طريقة التعامل مع الهجرة غير الشرعية، ووجه رسائل تهم مستقبل التعاون و الشراكات التي على إسبانيا تحديد مصيرها بنفسها.
– اعادة صياغة وتحديد دلالة الانتداب البرلماني.
ذكر جلالته بأن الانتداب البرلماني هو التزام سياسي، وتعاقد أخلاقي، يربط البرلمانيين بالمواطنين، وفي ذلك تنبيه لمن لا يهتم بالواجبات ويتخطى الموانع التعاقدية والسياسية والأخلاقية للعضو البرلماني، ومن غير المقبول الظهور الموسمي للعضو البرلماني لاسيما في فترة الانتخابات فقط.
ان خطاب افتتاح السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة تؤسّس لمرحلة انتقالية على جميع المستويات ومحملة بمشاريع تنموية وتحديات اقتصادية واجتماعية بطعم النهضة الشاملة للمواطنة الحقة.






