تحول اجتماع المجلس الوطني لحزب التجمع الوطني للأحرار، المنعقد اليوم، من محطة تنظيمية عادية، الى لحظة سياسية ثقيلة داخل حزب عاش خلال السنوات الماضية واحدة من أقوى مراحل حضوره في المشهد الحكومي.
فالأحرار الذين دخلوا الانتخابات السابقة من أجل قيادة الحكومة، وجدوا أنفسهم اليوم أمام واقع جديد، عنوانه الانتقال من موقع رئيس الحكومة إلى موقع الحزب المشارك في حكومة تقودها فاطمة الزهراء المنصوري.
المشهد حمل الكثير من الدلالات، خصوصاً مع غياب عدد من الوجوه التي ارتبطت بالمرحلة الحكومية السابقة، وفي مقدمتها عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المنتهية ولايتها والرئيس السابق للحزب.
صحيح أن الغياب في حد ذاته لا يكفي لبناء موقف سياسي، لكن توقيته جعل المتابعين يطرحون أسئلة حول طبيعة المرحلة الجديدة داخل حزب الأحرار، وحول مصير عدد من الأسماء التي كانت إلى وقت قريب في قلب القرار الحكومي.
فخلال الولاية الماضية، كان التجمع الوطني للأحرار في موقع من يوزع الأدوار الحكومية ويقدم أسماء وزرائه ويقود الأغلبية من موقع رئاسة الحكومة. أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة.
و الحزب يستعد للمشاركة في حكومة جديدة، لكنه لم يعد صاحب القرار الأول في تشكيلها، بعدما آلت رئاسة الحكومة إلى فاطمة الزهراء المنصوري، زعيمة الأصالة والمعاصرة، الحزب الذي تصدر الانتخابات التشريعية الأخيرة.
ولعل أكثر ما يجعل اجتماع الأحرار اليوم مختلفاً هو أن بعض الوجوه التي صنعت حضور الحزب في الحكومة السابقة باتت أمام واقع سياسي جديد. فالعودة إلى الحكومة ليست آلية، والاستمرار في المنصب الوزاري ليس حقاً مكتسباً، خصوصاً عندما يتغير رئيس الحكومة وتتغير موازين القوة داخل الأغلبية.
ولذلك فإن السؤال الذي يشغل عدداً من الأحرار لم يعد فقط حول مشاركة الحزب، وإنما حول من سيشارك باسمه، ومن سيغيب عن المشهد المقبل.
المجلس الوطني للحزب حاول تقديم صورة متماسكة، من خلال تثمين حصيلة الولاية الحكومية السابقة والإشادة بقيادة عزيز أخنوش، وفي الوقت نفسه تهنئة فاطمة الزهراء المنصوري على تولي رئاسة الحكومة، والتأكيد على استعداد الحزب للمشاركة في الحكومة المقبلة.
لكن بين اللغة التنظيمية للبيانات والواقع السياسي توجد مساحة واسعة من الانتظار والترقب.
فالقرار الذي كان يصدر من بيت الأحرار بشأن تشكيل الحكومة وأسماء الوزراء، أصبح اليوم مرتبطاً بمشاورات تقودها رئيسة الحكومة الجديدة. وهذا التحول وحده كافٍ لفهم حالة الترقب التي يعيشها الحزب، خصوصاً لدى الوجوه التي ارتبطت بالمرحلة السابقة، والتي قد تجد نفسها أمام سؤال الاستمرار أو المغادرة.
غياب أخنوش عن اجتماع اليوم، مهما كانت أسبابه، يحمل أيضاً بعداً رمزياً. فالرجل الذي كان خلال السنوات الخمس الماضية عنواناً للحكومة والأغلبية، لم يكن حاضراً في محطة يناقش فيها الحزب موقعه داخل حكومة جديدة يقودها شخص آخر.
وبين صورة الأمس وصورة اليوم، يبدو أن مرحلة كاملة قد انتهت، وأن الأحرار مطالبون الآن بإعادة ترتيب أوراقهم.
وفي المقابل، برز محمد شوكي باعتباره أحد أبرز الوجوه التي تتحرك باسم الحزب في المرحلة الجديدة، بعدما فوضه المجلس الوطني تدبير مشاركة التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة. وهو تفويض يضع على عاتقه مهمة التفاوض حول موقع الحزب وحقائبه وأسماء من سيقترحهم للمشاركة في السلطة التنفيذية.
لذلك، فإن اجتماع الأحرار اليوم كشف أكثر من مجرد استعداد للمشاركة في الحكومة. لقد كشف انتقال الحزب من مرحلة كان فيها مركز القرار التنفيذي داخل البيت الأزرق، إلى مرحلة أصبح فيها القرار موزعاً بين رئيسة حكومة جديدة ومكونات أغلبية جديدة. وبين المرحلتين، تبدو بعض الوجوه وكأنها تنتظر مصيرها السياسي، بعدما كانت إلى وقت قريب جزءاً أساسياً من واجهة الحكم.
إنه، في نهاية المطاف، حزن مرحلة أكثر منه حزن أشخاص. حزن حزب اعتاد أن يكون في مقدمة المشهد، فإذا به اليوم ينتظر ما ستقرره رئيسة الحكومة الجديدة بشأن من يدخل ومن يبقى ومن يغادر. وفي السياسة، قد يكون الانتقال من قيادة الحكومة إلى انتظار مقاعدها أصعب من مجرد تغيير في المواقع، لأنه يضع كل الوجوه السابقة أمام امتحان جديد عنوانه: هل تستمر المرحلة القديمة بأسمائها، أم أن حكومة المنصوري ستختار وجوهاً جديدة لمرحلة جديدة؟
