أعادت نهاية مأساوية لقصة اختفاء الطفلة “سندس” بضواحي مدينة شفشاون، مساء الأربعاء، النقاش من جديد حول الأخطار الخفية التي تحيط بحياة الأطفال في المناطق القروية، خصوصاً الآبار والأثقاب المائية غير المؤمنة التي ما تزال تشكل تهديداً حقيقياً في عدد من الدواوير الجبلية.
فبعد أسبوعين من البحث والترقب منذ اختفائها يوم 25 فبراير الماضي، انتهت الجهود بالعثور على جثة الطفلة في مجرى مائي قريب من مكان سكن أسرتها، في حادثة خلفت حزناً عميقاً وسط الساكنة وأعادت إلى الأذهان مشاهد الفواجع التي عرفتها المنطقة في السنوات الأخيرة.
وتؤكد فعاليات محلية أن ما وقع لا يمكن اعتباره حادثاً معزولاً، بل هو نتيجة لواقع معقد تعيشه القرى، حيث تنتشر الآبار والأثقاب المائية وسط الحقول وبالقرب من المساكن دون إجراءات كافية للحماية، الأمر الذي يجعل الأطفال عرضة لخطر السقوط فيها أثناء اللعب أو التنقل بين المسالك الترابية.
وتعيد هذه المأساة التذكير بفاجعة الطفل ريان أورام سنة 2022 بقرية إغران بإقليم شفشاون، حين ظل عالقاً داخل ثقب مائي ضيق لعدة أيام، في حادثة هزت مشاعر المغاربة وجلبت تعاطفاً دولياً واسعاً، وأطلقت آنذاك دعوات قوية لتشديد المراقبة على الآبار المهجورة.
ورغم وجود إطار قانوني ينظم حفر الآبار في المغرب، تشرف عليه وكالات الأحواض المائية التابعة لوزارة التجهيز والماء، فإن الواقع الميداني يكشف استمرار حفر أثقاب مائية بطرق غير قانونية، خاصة في المناطق القروية التي تعاني من ندرة المياه وتوالي سنوات الجفاف.
ويجد عدد من الفلاحين الصغار أنفسهم مضطرين للبحث عن المياه الجوفية لإنقاذ محاصيلهم وتوفير مورد للماشية، ما يدفع بعضهم إلى حفر آبار بشكل عشوائي دون احترام شروط السلامة المطلوبة، مثل تأمين الفوهات أو تسييج مواقع الحفر.
وتكمن الخطورة الكبرى في أن العديد من هذه الآبار يتم التخلي عنها بمجرد جفافها أو ضعف صبيبها، لتظل مفتوحة في الحقول أو قرب المنازل، في غياب عمليات الطمر أو التأمين، ما يحولها إلى ما يشبه “الفخاخ القاتلة” التي قد تودي بحياة الأطفال في أي لحظة.
كما أن الطبيعة الجغرافية الوعرة لعدد من المناطق الجبلية، خاصة في الريف، تجعل مهمة مراقبة هذه المنشآت أكثر تعقيداً، حيث تتوزع الدواوير على مسافات متباعدة وتفصل بينها تضاريس صعبة، ما يصعب عمليات الرصد والتدخل الاستباقي.
وكانت السلطات قد أطلقت، عقب حادثة الطفل ريان، حملات واسعة لجرد وطمر الآبار المهجورة في عدة مناطق، غير أن استمرار الحفر العشوائي المرتبط بأزمة الماء يجعل هذا الملف يعود إلى الواجهة مع كل حادث مأساوي جديد.
وتؤكد أصوات مهتمة بالشأن القروي أن حماية الأطفال في هذه المناطق تتطلب أكثر من مجرد حملات ظرفية، بل تستدعي مقاربة شاملة تجمع بين تشديد المراقبة، وتوفير حلول مستدامة للمياه، وتحسيس السكان بأهمية تأمين الآبار، حتى لا تتكرر مآسٍ إنسانية كتلك التي أنهت حياة الطفلة سندس وأعادت الألم إلى قلوب المغاربة.









































