– عبد الرفيع حمضي
لسنوات، اعتدنا، نحن مجموعة من الأصدقاء، أن نلتقي حول عشاء دوري، كل مرة في بيت أحدنا. كنا نتحمل مسؤوليات مختلفة داخل الإدارة المغربية، وتتوزع بنا المشارب الفكرية والانتماءات السياسية، من دون أن يفسد الاختلاف مودتنا. وقبل العشاء، كنا نفتح موضوعا للنقاش، يدلي فيه كل منا برأيه.
في أحد تلك اللقاءات، مباشرة بعد تعيين الأستاذ عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة، تناولنا آفاق التجربة المقبلة. وكان بيننا صديق مقرب من سي بنكيران. ومما أبديته يومها أن مصلحة التجربة تقتضي أن يقتصد رئيس الحكومة في الكلام، ويتجنب الانجرار إلى كل سجال، خصوصا أن الدستور الجديد أتاح له موعدا شهريا لمخاطبة البرلمان، ومن خلاله الرأي العام. تفاعل الصديق مع الفكرة، ووعد بتصريفها بطريقته.
كنت أرى أن من طبيعة المعارضة أن تنتقد الحكومة وتطرح بدائلها، وأن رئيس الحكومة يحاسب، قبل كل شيء، على ما ينجزه. ولذلك، يقتضي موقعه أن ينصت إلى الجميع، وأن يتسع صدره للنقد مهما اشتدت عباراته، وأن يرد بما يوضح اختياراته، من دون أن ينجر إلى كل سجال.
غير أن مسار التجربة سار في اتجاه آخر. وعلى امتداد خمس سنوات، أخذت الفرجة مساحة واسعة من المشهد، واستقرت «الحلقة» داخل النقاش العمومي: قفشات وتلميحات، وردود وردود مضادة، ومعارك تتجدد حول الأشخاص. بدا لنا، في لحظات كثيرة، أننا أمام كل شيء إلا السياسة، بمعناها الذي يربط الاختيارات بالمسؤوليات والنتائج.
استعدت هذه الحكاية وأنا أتابع تفاعل السيدة رئيسة الحكومة مع منتقديها خلال مناقشة البرنامج الحكومي. ولعل الإنصاف يقتضي قراءة جلستها الأولى في خصوصيتها، قبل استخلاص ما ينبغي أن تكون عليه ممارستها المقبلة.
فهي أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب، وتقف أمام البرلمان لتدافع عن برنامج عام، وتثبت حضورها في موقع اعتادت الحياة السياسية أن تراه بصيغة المذكر. ومن المفهوم أن تحرص على وضوح العلاقة بين الحكومة والمعارضة، وأن تبين أن تولي امرأة هذه المسؤولية لا يجعلها أقل قدرة على المواجهة والدفاع عن اختياراتها.
بهذا المعنى، يمكن القول إنها توفقت في تثبيت حضورها خلال هذا الموعد الأول.
ثم إننا كنا أمام برنامج حكومة لم تبدأ بعد إنتاج حصيلتها. كما ان الوزراء لم تتح لهم بعد فرصة الدفاع عن منجزات قطاعاتهم في التجربة الجديدة. وكان طبيعيا أن تتولى رئيسة الحكومة المرافعة عن التوجه العام لفريقها، و تتحمل مسؤولية قيادته.
لكن ما يمكن تفهمه في الجلسة الأولى لا ينبغي أن يصبح الأسلوب الدائم لرئاسة الحكومة. فإذا كان بعض المتابعين قد استحسن الردود الحادة بمنطق «النهار الأول يموت المش»، فإن العلاقة المؤسسية تحتاج، بعد وضوح المواقع، إلى قواعد للعمل والاختلاف، وإلى نقاش يرفع قيمة السياسة.
ومن الآن، فإنه ينتظر من رئيسة الحكومة أن تفسح المجال لوزرائها، ولأحزاب أغلبيتها وفرقها البرلمانية، حتى يقوم كل طرف بدوره في شرح السياسات والدفاع عنها، ثم تقديم نتائجها. فالتضامن الحكومي لا يختصر في الرئيسة بل في تعدد الأصوات القادرة على حمل مشروعها.
أما رئيسة الحكومة فمسؤوليتها أن تقود وتنسق وتتابع وتحسم، وأن تحتفظ بالمسافة التي تمكنها من الإنصات إلى الأغلبية والمعارضة معا. والترفع عن المناوشة لانه يحفظ للمسؤول قدرته على تحديد ما يستحق النقاش، بدل أن يترك لكل استفزاز سلطة تحديد جدول كلامه.
وهنا تحديدا، فبنكيران لا يقدم نموذجا يقتدى به. فما يؤخذ عليه، في تقديري، أنه كرس الشعبوية أسلوبا للممارسة، حتى ضاقت المسافة بين رئيس الحكومة والأمين العام للحزب، وبين تقديم الحساب وتعبئة الأنصار.
ومأخذ المتابعين على هذا الأسلوب أنه يجعل مهارة إحراج الخصم تطغى على مسؤولية إقناعه، ويحول الأسئلة حول السياسات إلى مواجهات بين الأشخاص. وقد يخرج المسؤول من الجلسة منتشيا بتصفيق أنصاره، فيما يخرج المواطن من دون جواب. وكلما استقرت هذه العادة يتراجع النقاش السياسي لحساب السجال السياسوي.
وفي صورة بليغة، يصف ماكس فيبر السياسة بأنها «حفر قوي وبطيء في ألواح صلبة، بشغف وحسن تقدير». وهي صورة تضع الصبر والعمل وحسن التقدير في صميم المسؤولية، كما انها تعيد للكلام وظيفته في خدمة الفعل.
المطلوب حكومة سياسية، ونقاش سياسي يواكبها. ولرئيسة الحكومة أن تجعل من حضورها مدخلا إلى هذا المسار، محتفظة لنفسها بمسافة القيادة وسعة الإنصات.
وبين ما يقال وما لا يقال، فالسجال قد يكسب رئيسة الحكومة تصفيق أنصارها، لكن الإنجاز وحده يكسبها ثقة من صفقوا ومن لم يصفقوا. وبالتالي فإن بنكيران ليس نموذجا.








