لم يكن نبيل بن عبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، من السياسيين الذين يفضلون البقاء في الظل طويلا. فالرجل الذي اعتاد مقارعة خصومه السياسيين بالحجة والخطابة، ومنازلة حلفائه حين تقتضي حسابات السياسة ذلك، يجد نفسه اليوم أمام منعطف جديد في مساره؛ إذ انتقل من موقع المعارضة الشرسة للحكومة السابقة إلى مقعد داخل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، التي أُسندت إليه فيها ثلاث وزارات، من بينها وزارة التعليم، في عودة تضع مساره السياسي أمام اختبار مختلف.
كان بن عبد الله، الذي راكم تجربة طويلة في العمل الحزبي والحكومي، من أبرز الأصوات المعارضة للحكومة السابقة، ولم يكن حضوره في المشهد السياسي مقتصرا على تسجيل المواقف العابرة، بل اتسم بمواجهة سياسية حادة، جعلت منه أحد الوجوه التي ترفع سقف الانتقاد وتدفع بالنقاش إلى مناطق أكثر حساسية. غير أن السياسة، كما خبرها الرجل على امتداد عقود، لا تعرف خطوطا مستقيمة؛ فالمعارضة التي تمنح صاحبها مساحة واسعة لمساءلة السلطة قد تفضي، في لحظة أخرى، إلى الجلوس إلى طاولة التدبير وتحمل مسؤولية القرار.
وتكتسب عودته إلى الحكومة دلالتها من طبيعة الحقيبة التي أُسندت إليه. فالتعليم ليس قطاعا عاديا في بلد تتقاطع فيه رهانات التنمية مع أسئلة تكافؤ الفرص وجودة المدرسة العمومية ومآلات الإصلاح. وبين خطاب المعارضة ومتطلبات التدبير، سيكون على بن عبد الله أن يثبت أن حدة المواقف التي طبعت حضوره السياسي قادرة على التحول إلى قدرة عملية على معالجة الاختلالات وتقديم أجوبة عن انتظارات الأسر والمدرسين والتلاميذ.
ولعل المفارقة الأبرز في مساره الجديد أن الرجل الذي اعتاد مساءلة الحكومة ومهاجمة اختياراتها بات مطالبا اليوم بالدفاع عن قرارات حكومة المنصوري، وتفسير خياراتها، وتحمل نصيبه من مسؤولية نجاحها أو تعثرها. وهي نقلة لا تختبر فقط قدرته على التكيف مع موقعه الجديد، بل تضع أيضا خطابه السياسي السابق أمام محك الممارسة، حيث لا تكفي قوة العبارة وحدها لإقناع الرأي العام.
لكن لفهم نبيل بن عبد الله في هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى البدايات. فحزب التقدم والاشتراكية، الذي تأسس عام 1943، يحمل إرثا سياسيا وفكريا طويلا، مر بمحطات من المنع والتضييق وتغيير الاسم، قبل أن يستقر على هويته الحالية. وبعد مرحلة علي يعتة، الزعيم التاريخي الذي قاد الحزب عقب مغربته، ثم مرحلة إسماعيل العلوي، انتُخب بن عبد الله أمينا عاما في مايو 2010، ليقود تنظيما يساريا وجد نفسه، مثل غيره من الأحزاب، أمام تحولات عميقة في المجتمع وفي طبيعة المنافسة السياسية.
انتمى بن عبد الله إلى التنظيم الشبابي للحزب، وتدرج في هياكله حتى وصل إلى قيادته عام 1988، قبل أن يصبح عضوا في المكتب السياسي عام 1995. وهو بذلك ينتمي إلى جيل تشكل سياسيا داخل الحزب، لكنه لم يكتف بإرثه الأيديولوجي، بل سعى إلى تقديمه في صورة أكثر انفتاحا على مقتضيات الممارسة السياسية الحديثة.
تكوينه الأكاديمي وخبرته في العلاقات الدولية منحاه أدوات إضافية في إدارة النقاش. فقد تخرج عام 1985 من المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية في باريس، في شعبة العلاقات الدولية، وأتقن العربية والفرنسية، ما ساعده على التحرك بين الخطاب السياسي والإعلامي والدبلوماسي. وهو من السياسيين الذين يميلون إلى الجدل ومقارعة الحجج، ويعرفون كيف يمنحون مواقفهم حضورا في النقاش العام، سواء عبر خطاب هادئ محسوب أو نبرة مرتفعة حين يحتدم السجال.
ولم يكن طريقه إلى مواقع المسؤولية مفروشا بالاستقرار. فقد تولى منصب وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة بين نوفمبر 2002 وأكتوبر 2007، قبل أن ينتقل إلى العمل الدبلوماسي سفيرا للمغرب في روما، ثم يغادر المنصب بعد فترة قصيرة. وقتها، كان ممكنا أن يُقرأ ما جرى باعتباره نهاية مرحلة في مساره، لكنه عاد إلى الرباط ليعيد ترتيب أوراقه داخل الحزب، ويخوض معركة القيادة التي انتهت بوصوله إلى الأمانة العامة.
ومنذ ذلك الحين، ظل بن عبد الله حاضرا في المشهد السياسي والإعلامي، مستفيدا من شبكة علاقات واسعة راكمها خلال تجربته المهنية والحزبية، ومن قدرة على الانتقال السريع بين الملفات والمواقف. لا يبدو من طراز السياسيين الذين يطمئنون إلى الجمود، بل يميل إلى الحركة والمبادرة، ويمنح الجدل مساحة مركزية في أسلوبه، حتى حين يتحول النقاش إلى مواجهة مع الخصوم أو إلى اختلاف مع الحلفاء.
غير أن موقعه في حكومة المنصوري يفتح فصلا مختلفا عن تلك الفصول التي اعتاد فيها توجيه الانتقادات من خارج السلطة. فالتحدي لم يعد مرتبطا فقط بقدرته على إحراج الحكومة السابقة أو كشف تناقضاتها، بل بمدى قدرته على ترجمة تجربته السياسية إلى أداء حكومي ملموس. وفي قطاع التعليم تحديدا، لن تكون البلاغة السياسية كافية أمام ملفات الإصلاح وجودة التعلمات وتكافؤ الفرص، كما لن يكون سهلا الفصل بين الوعود التي تُطلق من موقع المعارضة والقرارات التي تفرضها مسؤوليات الحكم.
هكذا يجد نبيل بن عبد الله نفسه أمام معادلة دقيقة: الاحتفاظ بشخصيته السياسية التي صنعت حضوره، من دون أن تتحول حدة المعارضة السابقة إلى عبء على موقعه الجديد؛ وإثبات أن الانتقال إلى الحكومة ليس مجرد تبدل في المقاعد، بل انتقال إلى مستوى آخر من المسؤولية والمحاسبة.
فالرجل الذي اعتاد أن يطالب الحكومة بتقديم الحساب، أصبح اليوم مطالبا بأن يقدم حسابه هو أيضا. وبين ماضٍ معارض وحاضر حكومي، ستكشف الممارسة ما إذا كان بن عبد الله قادرا على تحويل رصيد الجدل السياسي إلى رصيد في التدبير، أم أن امتحان السلطة سيكون أكثر تعقيدا من معارك المنابر








