لا تحتاج الوطنية إلى كثير كلام ولا إلى رفع شعارات زائفة يمكن أن تسقط عند أول امتحان، ولكن فقط إلى شيء من “المعقول” والغيرة على الوطن بغض النظر عن الموقع الذي يحتله أي مواطن.
ولقد شكلت تسريبات “قناة أطلس هاكس” غربالا سقطت منه كثير من النفايات البشرية، وعلى رأسها مهدي حيجاوي، الموظف المطرود من الإدارة العامة للدراسات والمستندات، الذي كان يقدم نفسه لبعض أصدقائه على أنه محب للملك والملكية ومدافع عن المؤسسات، بينما كان يزود النصاب الهارب هشام جيراندو بمعلومات مضللة لتشويه سمعة المؤسسات التي تحمي استقرار المغرب.
والتسريبات نفسها تكشف أنه لا يمكن أن تكون بطلا خارقا لتضمن مكانة في شرف الوطنية، ولكن أن تقوم فقط بواجبك الذي يحتمه عليك ضميرك، ويفرضه عليك الانتماء لبلدك، وهذا ما تعرفنا عليه من خلال تلك التسريبات.
واحد ممن شاركت القناة تسريباتهم محمد رضى الطاوجني، الناشط الإعلامي وصانع المحتوى، وبعد أن تأكد أن تلك المكالمات التي تربطه بحيجاوي صحيحة وسليمة، ينبغي الإشارة إلى ما قام به وفق تصريحاته في فيديو خاص بالمناسبة، حيث قام بإخبار النيابة العامة بمضمون المكالمات ووضعها رهن إشارتها لتقوم بالواجب وما يلزم في حق عناصر هذه العصابة.
لعل هذا الفعل قد يكون بسيطا لكن أثره قد يكون عظيما للغاية، فمن جهة قد أكد ما تم تسريبه وكشف الوجه الحقيقي لمحرك هذه العصابة، ومن جهة أخرى بين أن الوطنية تقتضي التعامل بجدية مع أي فعل، صغُر أو كبُر، على أنه فعل قد يتفاقم ويؤدي إلى أفعال أكثر، خصوصا أنه يصدر عن شخص أفصح بعظمة لسانه عن كونه يخفي وراءه شخصية متوحشة قادرة على ارتكاب كل الأفعال المحرمة شرعا وقانونا.
كما تُبين هذه القضية أن المواطن المغربي، مهما كانت مرتبته الاجتماعية والعلمية، لا ينبغي أن يخجل من الدفاع عن المؤسسات، التي هي عماد استقرار الدولة والمجتمع، كما لا ينبغي أن يصيبه الحياء من مواجهة “رباعة الزيغ والضلال” التي تسيء لبلادنا ليل نهار، وتعمل على تشويه سمعتها، والتشويش على مؤسساتها المختلفة.
قد يختلف المغاربة في كل شيء لكن لا يختلفون في إدانة الأشخاص الذين يبيعون وطنهم وعرضهم مقابل فتات من الدولارات، وأخس ما يمكن أن يصله الإنسان هو أن يستعمل صفته السابقة، ويضيف إليها بهارات وعناوين ورتب غير موجودة سوى في خياله ليعطي مصداقية لما ينشر من إشاعات وما يبثه من سموم.
وأمام هذا الوضع وهذه العناصر التي تنبت كالفطر في “المزابل”، لابد من الإشادة بكل مواطن يقوم بدوره في مواجهة هؤلاء مهما كان هذا الدور ومهما كان حجمه، فالانتماء لفئة المدافعين عن الوطن وعن المؤسسات هو شرف للأحرار بينما العبيد يباعون في سوق النخاسة الدولية ويعيشون بعيدا عن تراب الوطن ويموتون والوطن غاضب عنهم، والويل لمن غضب عنه الوطن فتتبعه اللعنة أبد الدهر حتى بعد أن يغادر دنيا الناس، حيث يقال “عاش خائنا ومات كافرا” لأن حب الأوطان من الإيمان.






