مع حلول شهر رمضان، تتجدد في مختلف ربوع المغرب مظاهر روحانية وثقافية تعكس عمق التراث المحلي وتنوعه، حيث تتحول أيام هذا الشهر المبارك إلى مناسبة لاستحضار قيم التضامن والتكافل الاجتماعي التي توارثها المغاربة عبر الأجيال.
فمن سواحل الشمال إلى واحات الشرق وجبال الجنوب، تحافظ كل منطقة على عاداتها الخاصة في استقبال الشهر الفضيل، رغم التحولات الاجتماعية وأنماط العيش الحديثة. ويحرص السكان على إحياء تقاليد متجذرة تمزج بين الطقوس الدينية والممارسات الاجتماعية التي تمنح رمضان نكهته المميزة.
في هذا السياق، أوضحت الباحثة بالـالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، صباح علاش، أن الاستعداد لرمضان في منطقة “بقوية” الساحلية شمال المملكة يتجاوز مجرد توفير المواد الغذائية، ليشمل مجموعة من الطقوس الاجتماعية والروحية التي تعكس عمق الارتباط بهذا الشهر.
وأشارت إلى أن سكان المنطقة يعمدون إلى تنظيف المنازل وترميمها استعداداً لاستقبال رمضان، فيما تُستعمل وسائل تقليدية للإعلان عن مواقيت الإفطار مثل النفخ في قواقع البحر. ومع إعلان ثبوت رؤية الهلال، تعلو الزغاريد وتتبادل الأسر التهاني قبل أن تجتمع حول مائدة احتفالية إيذاناً ببداية الشهر الكريم.
وتتميز المائدة الرمضانية في منطقة الريف بتنوع أطباقها المستمدة من خيرات البر والبحر، إذ تحضر أطباق تقليدية مثل حساء “الدشيشة” وطبق “زمبو”، إضافة إلى “البيصارة”، وأطباق السمك، إلى جانب أكلات احتفالية مثل الكسكس والطاجين والمخبوزات التقليدية.
كما تتجلى قيم التضامن في طقوس اجتماعية متوارثة، من بينها عادة “الوزيعة”، حيث تُذبح الذبائح في ليلة السابع والعشرين من رمضان ويوزع لحمها على الأرامل واليتامى، إلى جانب تقليد “التويزة” الذي يقوم على التعاون لمساعدة الأسر المحتاجة، إضافة إلى عادة “المعروف” التي يتم من خلالها إطعام حفظة القرآن.
وفي أقصى شرق المملكة، وتحديداً في واحة فيجيج، تتجسد أجواء رمضان في تلاحم القصور السبعة التي تشكل المدينة. وتوضح الباحثة في تراث الواحة رجاء المرزوقي أن المائدة الرمضانية في المنطقة تعتمد على منتجات محلية تقليدية مثل “الكليلة”، وهو جبن جاف يحفظ مشتقات الحليب لفترات طويلة، ويُستهلك مع تمر الواحة الشهير “أزيزا”، كما يستعمل في أطباق الكسكس و“السفة”.
كما تعد “الزميطة”، المصنوعة من الشعير المحمص، من أبرز الأطعمة التي تمنح الصائمين طاقة خلال وجبة السحور.
وتأخذ “التويزة” في فيجيج بعداً اجتماعياً متكاملاً، إذ يتعاون الرجال قبل حلول رمضان في تنظيف السواقي وصيانة المساجد وسقي بساتين الأرامل والعجزة، بينما تنخرط النساء في تحضير الأطعمة التقليدية مثل “سلو” وخبز الدار داخل الأفران الجماعية.
وتتواصل الأجواء الروحانية في المساجد من خلال ختم القرآن الكريم وترديد الأمداح النبوية، فيما تتبادل الأسر أطباق الكسكس بسبع خضر كرمز للمودة والتآزر. وفي ليلة القدر، تحتفي الأسر بالأطفال الذين يصومون لأول مرة، حيث يرتدون اللباس التقليدي وتخضب أيديهم بالحناء وسط أجواء احتفالية.
أما في جهة سوس ماسة جنوب البلاد، فما تزال العديد من الأسر الأمازيغية تحافظ على تقاليدها الخاصة المرتبطة بالشهر الفضيل. ويشير رئيس مركز أكلو للبحث والتوثيق محمد بنيدير إلى أن الاستعداد لرمضان يبدأ بتحضير “أگرن إجان”، وهو دقيق يصنع من الشعير المحمص ويخلط مع نباتات عطرية.
ويشكل هذا المكون أساس عدة وصفات رمضانية مثل “لبسيس”، الذي يمكن حفظه طوال الشهر، و“توميت” التي تمزج بالماء وتستهلك فوراً، إضافة إلى “لمريس” الذي يخلط باللبن ويعد خياراً مفضلاً في وجبة الإفطار، خاصة في الأيام الحارة.
وعلى المستوى الاجتماعي، يلاحظ تطور بعض الممارسات بما يتلاءم مع ظروف الصيام، إذ أصبح توقيت قراءة الحزب الراتب في المساجد يتم بعد صلاة العصر بدل ما بعد المغرب، كما تطور تقليد “المعروف” ليأخذ شكل موائد إفطار جماعية تشرف عليها جمعيات محلية.
وهكذا، تبدو عادات الاحتفاء برمضان في المغرب كلوحة فسيفسائية متكاملة، تتعدد تفاصيلها بين مناطق البلاد، لكنها تتوحد في جوهرها حول القيم الروحية العميقة وروح التضامن والتكافل التي تميز المجتمع المغربي عبر العصور.









































