أعادت قضية الطبيب والأستاذ الجامعي رشيد شرقاب، المتخصص في الإنعاش والتخدير بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، النقاش حول أوضاع المستشفيات العمومية بالمغرب، وحدود التعبير عن الاختلالات داخل المؤسسات الصحية، ومدى التوازن بين المسؤولية القانونية وحرية العمل النقابي.
وتحول الملف، خلال الأيام الأخيرة، إلى موضوع نقاش واسع في الأوساط الطبية والنقابية والحقوقية، عقب صدور حكم ابتدائي يقضي بسجن الطبيب سنة واحدة حبسا نافذا، في قضية مرتبطة باتهامات بالتشهير وانتحال صفة، قبل اعتقاله من داخل قاعة المحكمة مباشرة بعد النطق بالحكم.
وتتجاوز أبعاد القضية، وفق مواقف عدد من المتضامنين مع الطبيب، مسألة العقوبة الصادرة في حقه، لتطرح تساؤلات بشأن مآل الشكايات التي سبق أن تقدم بها حول اختلالات مزعومة في تدبير المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد، ومدى توفير الحماية القانونية للمهنيين الذين يبلغون عن تجاوزات محتملة داخل المرافق العمومية.
يشغل رشيد شرقاب مهام أستاذ جامعي بكلية الطب والصيدلة، وطبيب متخصص في الإنعاش والتخدير بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، كما يرتبط اسمه بالنشاط النقابي والدفاع عن قضايا العاملين في القطاع الصحي.
واكتسب الطبيب حضورا لدى فئات من المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما ارتبط اسمه بقصة تدخل طبي لفائدة عامل من مدينة بني ملال كان يعاني، وفق روايات متداولة، مضاعفات خطيرة وتعفنا في رجله عقب عملية جراحية، قبل أن يتدخل شرقاب للمساعدة في تسهيل التكفل به طبيا.
وأثارت هذه الواقعة تعاطفا مع الطبيب، الذي قدمه متضامنون معه باعتباره نموذجا للمهني الذي يسعى إلى مساعدة المرضى، خصوصا المنتمين إلى الفئات محدودة الدخل. غير أن التفاصيل الطبية الكاملة للواقعة، كما لا تتوفر في المصادر المنشورة التي أمكن الاطلاع عليها، لا تسمح بتأكيد جميع الجزئيات المتداولة بشأنها بصورة مستقلة.
بحسب تصريحات نقابية وتقارير صحفية منشورة، سبق لشرقاب أن تقدم بشكايات إلى الجهات القضائية بشأن ممارسات واختلالات قال إنها تشوب تدبير المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد. كما جرى الاستماع إليه من طرف الشرطة القضائية في إطار هذه الشكايات، وفق ما أورده رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، محمد الغلوسي، الذي دعا إلى الكشف عن مآلها والتحقق من مضمونها.
ويقول مساندو الطبيب إن هذه الشكايات كانت تتطلب بحثا جديا ومستقلا، معتبرين أن من حق أي مهني داخل مؤسسة عمومية أن يبلغ عن اختلالات محتملة عبر القنوات القانونية، من دون أن يتعرض لضغوط بسبب ذلك.
لكن، من الناحية المهنية والقانونية، لا يمكن الجزم بأن المتابعة القضائية جاءت انتقاما من شرقاب بسبب شكاياته، أو أن هناك علاقة سببية مؤكدة بين الملفين، ما لم تتضح الوقائع والوثائق ذات الصلة. كما أن الادعاءات المتعلقة بوجود فساد داخل المستشفى تظل بحاجة إلى تحقيقات ونتائج رسمية تثبتها أو تنفيها.
في 21 أكتوبر 2026، أصدرت المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع في الدار البيضاء أحكاما في حق ثلاثة أشخاص مرتبطين بالنشاط النقابي داخل المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد.
وتتعلق التهم الواردة في التغطيات الصحفية بانتحال صفة منظمة مؤسسة قانونا، وبث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة بقصد المس بالحياة الخاصة للأشخاص والتشهير بهم. ويرتبط جانب من النزاع، بحسب التقارير، بالخلاف حول الصفة القانونية للتنظيم النقابي الذي ينتمي إليه المعنيون.
وفي الشق المدني، قضت المحكمة بأداء المتهمين الثلاثة، بالتضامن فيما بينهم، تعويضا قدره مليون درهم لفائدة المجموعة الصحية الترابية الدار البيضاء–سطات، إلى جانب تعويضات أخرى لفائدة ثلاثة أطباء من المطالبين بالحق المدني، بلغت على التوالي 200 ألف درهم و200 ألف درهم و50 ألف درهم.
ومن المهم هنا التمييز بين الغرامة الجنائية والتعويض المدني؛ إذ إن مبلغ 125 مليون سنتيم المتداول في بعض المنشورات لا يمثل الغرامة الجنائية المحكوم بها على شرقاب، بل إن التقارير التي أمكن التحقق منها تشير إلى غرامة قدرها 5 آلاف درهم في حقه، فيما يتعلق مبلغ المليون درهم بالتعويض المدني المحكوم به على المتهمين الثلاثة بالتضامن.
أثار اعتقال شرقاب وزميليه عقب النطق بالحكم ردود فعل غاضبة لدى عدد من النقابيين والحقوقيين، خصوصا أن المتهمين كانوا يتابعون الملف في حالة سراح قبل صدور الأحكام.
وخلال ندوة صحفية عقدها الاتحاد الديمقراطي المغربي للشغل بالدار البيضاء يوم 26 أكتوبر، انتقد الكاتب الوطني للنقابة، مصطفى الكيحل، ظروف مناقشة القضية، وتساءل عن أسباب اعتقال المعنيين داخل المحكمة، كما أثار تساؤلات بشأن الوقت الذي أتيح للدفاع للاطلاع على الوثائق وإعداد دفوعاته.
وطالبت النقابة بإنصاف أعضائها، ودعت إلى فتح تحقيق في ملابسات الملف، مؤكدة أن المتابعة، من وجهة نظرها، جاءت على خلفية التبليغ عن اختلالات داخل المستشفى والنشاط النقابي. وهذه مواقف صادرة عن جهة متضامنة مع المتهمين، وليست في حد ذاتها حكما قضائيا بشأن دوافع المتابعة.
من جهته، اعتبر محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، أن اعتقال الطبيب بعد صدور حكم ابتدائي يثير نقاشا حول ضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة، داعيا إلى التعامل مع الشكايات التي سبق أن تقدم بها شرقاب بشأن تدبير المستشفى، والكشف عن مآل الأبحاث المتعلقة بها.
ويستند النقاش القانوني في هذا الجانب إلى أن الأحكام الابتدائية قابلة للطعن وفق المساطر القانونية، مع ضرورة التمييز بين حق المتهم في الاستفادة من ضمانات المحاكمة العادلة وبين تنفيذ القرارات القضائية التي تصدر وفق القانون.
أعادت القضية إلى الواجهة نقاشا أوسع حول وضعية المؤسسات الصحية العمومية، ومدى قدرتها على توفير خدمات علاجية تستجيب لحاجيات المواطنين، خصوصا الفئات الهشة التي لا تستطيع تحمل تكاليف العلاج في القطاع الخاص.
ويرى متضامنون مع الطبيب أن حماية المبلغين عن الاختلالات المفترضة داخل المؤسسات العمومية تشكل عنصرا أساسيا في تحسين الحكامة، وأن التعامل مع الشكايات ينبغي أن يتم عبر البحث والتحقق، بدل تركها من دون أجوبة واضحة.
في المقابل، فإن وجود اتهامات بالتشهير أو المس بالحياة الخاصة يقتضي النظر في الوقائع والأدلة التي عرضت على المحكمة، بعيدا عن إصدار أحكام مسبقة بشأن خلفيات الملف. فالتبليغ عن الاختلالات لا يمنح حصانة قانونية مطلقة، كما أن صدور حكم بالإدانة لا يعفي من حق المعنيين في الطعن ومناقشة الأدلة أمام درجات التقاضي المختصة.
ولا تتوفر، ضمن المصادر المنشورة التي أمكن الاطلاع عليها، أدلة مستقلة تثبت أن مصالح القطاع الخاص أو لوبيات المصحات الخاصة تقف وراء متابعة شرقاب، كما لا تتوفر معطيات رسمية كافية تسمح بالجزم بصحة جميع الادعاءات المتعلقة بتدبير المستشفى.
بين الحكم القضائي والانتقادات النقابية والحقوقية، تظل قضية رشيد شرقاب مفتوحة على مجموعة من الأسئلة التي تتطلب أجوبة موثقة: ما مآل الشكايات التي تقدم بها الطبيب بشأن الاختلالات المزعومة؟ وما طبيعة الوقائع التي استند إليها الحكم الصادر في حقه؟ وهل جرى تمكين الدفاع من جميع الضمانات القانونية اللازمة؟ وما الذي ستسفر عنه مراحل الطعن في الحكم؟
وتكمن أهمية هذه الأسئلة في أن القضية لا تخص طبيبا واحدا فحسب، بل تمس أيضا العلاقة بين المسؤولية المهنية والعمل النقابي، وحق التبليغ عن التجاوزات، وضرورة حماية سمعة الأشخاص والمؤسسات، وضمان استقلال القضاء.
وفي انتظار اتضاح باقي المعطيات والقرارات القضائية، يبقى المطلوب هو الكشف عن حقيقة الوقائع من خلال تحقيقات موثوقة، والتعامل مع الشكايات المتعلقة بالمرفق الصحي العمومي بالجدية اللازمة، مع احترام قرينة البراءة وحق جميع الأطراف في محاكمة عادلة.






