في خطوة وُصفت بأنها إحدى أبرز محاولات التشديد القانوني على نزاهة الحياة السياسية بالمغرب، وسّعت وزارة الداخلية، من خلال مشروع قانون رقم 55.25، لائحة الجنح والجرائم التي تمنع أصحابها من القيد في اللوائح الانتخابية وبالتالي من حق التصويت أو الترشح.
ويهدف المشروع، الذي يعدل ويتمم القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية، إلى تعزيز الشفافية وتخليق الممارسة السياسية، من خلال استبعاد الأشخاص الذين صدرت في حقهم أحكام نهائية تمس بالنزاهة أو الشرف أو المال العام.
حرمان قضائي من التصويت والترشح
وبحسب نص المشروع، لا يمكن أن يُقيد في اللوائح الانتخابية كل من صدر في حقه حكم بعقوبة حبس نافذة، أو حبس موقوف التنفيذ تتجاوز مدته ثلاثة أشهر، أو غرامة من أجل جناية أو جنحة محددة.
وتشمل قائمة الجنح الموجبة للحرمان السرقة، النصب، خيانة الأمانة، الغش، شهادة الزور، تزوير الوثائق الإدارية أو البنكية، إصدار شيك بدون رصيد، الرشوة، واستغلال النفوذ، إضافة إلى جرائم الإخلال بالشفافية في الصفقات العمومية، أو استغلال المعلومات المهنية لتحقيق منافع شخصية.
ويمتد المنع كذلك ليشمل الجرائم الماسة بالآداب العامة مثل القوادة والبغاء وانتهاك الأعراض واختطاف القاصرين، إلى جانب الجرائم الاقتصادية كاختلاس أو تبديد الأموال العمومية، والإضرار بمصالح الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية.
تجريم صريح للفساد الانتخابي
ويُعتبر من أبرز مستجدات هذا المشروع توسيع نطاق المنع ليشمل جرائم الفساد الانتخابي المباشر وغير المباشر، حيث نص على حرمان كل من يثبت تورطه في “الحصول أو محاولة الحصول على أصوات ناخبين عبر هدايا أو تبرعات نقدية أو عينية أو وعود بوظائف أو منافع”، أو من يقدم مثل تلك الإغراءات خلال الحملات الانتخابية.
كما يشمل المنع حالات “القيام أو التوسط أو المشاركة في التأثير على الناخبين باستعمال العنف أو التهديد أو التخويف بفقدان الوظيفة أو المساس بالمصالح الشخصية أو الأسرية”، وهو ما يعتبر رسالة قانونية واضحة لردع أي محاولة للتلاعب بإرادة الناخبين.
رسالة سياسية حول تخليق الحياة العامة
ويرى مراقبون أن هذا المشروع يعكس تحولاً في فلسفة التشريع الانتخابي المغربي، من مجرد تنظيم للعمليات التقنية إلى محاولة لترسيخ “أخلاقيات الممارسة السياسية”.
ويأتي هذا التوجه في سياق إصلاحات مؤسساتية أوسع يقودها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، ترمي إلى تعزيز الشفافية في تدبير الشأن العام، وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ويشير محللون إلى أن توسيع قاعدة الممنوعين من القيد لا يستهدف العقاب في حد ذاته، بقدر ما يسعى إلى حماية المسار الديمقراطي من الانتهازيين والمتورطين في قضايا فساد مالي أو أخلاقي، والذين أساؤوا لصورة العمل السياسي.
بين الردع القانوني والإصلاح الأخلاقي
ويرى خبراء قانونيون أن اعتماد هذا المشروع سيُحدث “غربلة” واسعة داخل المشهد الحزبي والانتخابي، مؤكدين أن المنع من الترشح بسبب الإدانة الجنائية هو في جوهره “إجراء أخلاقي لحماية المرفق العام”، وليس فقط عقوبة إضافية.
كما يُتوقع، وفق مصادر برلمانية، أن تثير مناقشة المشروع جدلاً سياسياً واسعاً داخل مجلس النواب، خصوصاً في ما يتعلق بتحديد مدة المنع وطبيعة الجرائم المشمولة، في ظل مطالب بعض الفرق البرلمانية بضرورة التمييز بين “الأخطاء البسيطة والجرائم الماسة بالثقة العامة”.
بهذا المشروع، يبدو أن المغرب يتجه نحو مرحلة أكثر صرامة في تخليق الحياة الانتخابية، عبر وضع جدار قانوني عازل أمام من يحاولون استعمال المال أو النفوذ أو الفساد للتسلق إلى مواقع القرار.
وهو ما يعزز صورة المملكة كدولة تسعى إلى توطيد نموذج ديمقراطي نظيف وشفاف، يُبنى على الثقة والمسؤولية لا على الامتيازات والمصالح الضيقة.









































