حين كان ملعب الأمير مولاي عبد الله يستعد لالتقاط أنفاسه مع انطلاق الشوط الثاني، لم يكن أحد يتوقع أن تُكتب اللحظة الأجمل في المباراة بهذه السرعة، ولا بهذه الطريقة السينمائية. في الدقيقة 51، حلق المهاجم أيوب الكعبي عالياً، وقلب الجسد والكرة معاً، ليسجّل الهدف الثالث للمنتخب المغربي بضربة مقصية مزدوجة مذهلة، هدفٌ حمل توقيع الإبداع، وأطلق في المدرجات موجة هتاف واحدة: «هذا هو الكعبي… هذا هو المغرب».
الهدف، وهو الثاني شخصياً للكعبي في المباراة، جاء بعد تمريرة حريرية من عز الدين أوناحي، الذي استلم بدوره الكرة من إبراهيم ديازعقب تنفيذ ضربة خطأ محكمة. لقطة ثلاثية الأدوار، لكنها انتهت بلقطة واحدة ستُعاد طويلاً في ذاكرة البطولة، وربما في ذاكرة الكرة الإفريقية لهذا العام.
وقبل هذه التحفة، كان أسود الأطلس قد وضعوا أسس التفوق منذ وقت مبكر. الشوط الأول انتهى على وقع ثنائية نظيفة: الأول برأسية الكعبي في الدقيقة 9 بعد ركنية نفّذها الزلزولي ورفعها أوناحي داخل مربع العمليات، والثاني في الدقيقة 27 عن طريق إبراهيم دياز الذي استثمر تمريرة ذكية من الزلزولي عقب هجمة منظمة بدأها أوناحي، ليُعلن الملعب عندها ميلاد التفوق المغربي أمام الرصاصات النحاسية.
طوال الدقائق الـ45 الأولى، لم تكن السيطرة مجرد تفوق تكتيكي، بل كانت استحواذًا كاملًا على الزمن والكرة، ضغطٌ متواصل، وتدويرٌ سريع للعب، وانتشارٌ عريض على الرواقين، جعل المنتخب الزامبي أشبه بفريق يبحث عن ظلّه داخل رقعة الميدان. المدرب وليد الركراكي كان واقفاً عند الخط الجانبي، لكنه بدا وكأنه يراقب مباراة محسومة قبل صافرتها.
زامبيا، التي دخلت المباراة تحت شعار «التماسك الدفاعي»، اكتفت فعلاً بالتقوقع في الخلف، مع مرتدات خجولة لم تُربك الحارس ياسين بونوالذي عاش واحدة من أمسياته الهادئة، باستثناء مراقبة بعض الكرات البعيدة التي لم تُهدّد مرماه.
أما الجمهور المغربي، الذي حمل معه مرارة تعادل الجولة الماضية أمام مالي، فقد وجد في ثلاثية الرباط جرعة التعويض الكاملة. مع كل فرصة ضائعة، كان القلق يطلّ لحظة ثم يتوارى سريعاً خلف الهتاف. ومع كل هدف، كانت الثقة ترتفع درجة جديدة، حتى جاءت المقصية لتُغلق باب الشك نهائياً، وتفتح باب الحلم الأوسع: «الكأس هنا… والكأس لنا».
المنتخب المغربي لم يكتفِ بفوزٍ يعيد التوازن، بل قدّم أداءً يعيد التأكيد على قيمته الحقيقية في هذه النسخة الـ35 من كأس أمم إفريقيا التي تستضيفها المملكة ما بين 21 دجنبر و18 يناير. فوزٌ يعزز حظوظ المغرب في صدارة المجموعة الأولى، ويضمن بقاءه في العاصمة لخوض الدور المقبل، لكنه قبل ذلك، فوزٌ يحسم شيئاً أهم: صلح المنتخب مع جماهيره، في بطولة لا تُقاس فقط بالأهداف، بل بقدرتها على صناعة الإجماع الشعبي خلف راية واحدة.









































