بعد خمس سنوات على إطلاق ورش إصلاح وإعادة بناء المنظومة الصحية الوطنية، لا تزال فجوة قائمة بين اتساع نطاق التغطية الصحية على المستوى القانوني والمؤسساتي وبين قدرة المواطنين على الولوج الفعلي إلى الخدمات العلاجية، وفق تقييم أعده الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية الدكتور الطيب حمضي.
ورصدت الورقة التقييمية، التي تزامنت مع مرور خمس سنوات على إطلاق ورش إصلاح المنظومة الصحية، عدداً من التحديات المرتبطة بتمويل القطاع، والموارد البشرية، وكلفة العلاج، ومدى انعكاس توسع التغطية الصحية على الاستفادة الفعلية من الخدمات الطبية.
ارتفاع الميزانية وتوسع التغطية
وبحسب المعطيات الواردة في الورقة، ارتفعت ميزانية وزارة الصحة من 19.7 مليار درهم سنة 2021 إلى 42.4 مليار درهم المتوقعة سنة 2026، فيما وصل عدد المسجلين في نظام التأمين الصحي إلى نحو 32 مليون شخص، أي ما يعادل 88 في المائة من مجموع السكان.
غير أن هذا التوسع في قاعدة المستفيدين لم ينعكس، وفق التقييم نفسه، بالقدر ذاته على الولوج الفعلي إلى العلاج، إذ يواجه نحو 8.5 ملايين شخص صعوبات تحول دون استفادتهم من الخدمات الصحية.
ويظل العامل المالي، بحسب حمضي، من أبرز العوائق أمام الحصول على العلاج، في ظل استمرار تحمل الأسر أكثر من 52 في المائة من إجمالي النفقات الصحية من مواردها الخاصة.
ويربط التقرير جانباً من هذه الوضعية بقدم التعريفة الوطنية المرجعية المعتمدة منذ سنة 2006، والتي يقول إنها لا تغطي سوى أقل من ثلث الكلفة الفعلية للعلاج، الأمر الذي يرفع قيمة المصاريف التي يتحملها المواطنون مباشرة.
وتشير الورقة إلى أن 41.5 في المائة من المواطنين يضطرون إلى التخلي عن العلاج لأسباب اقتصادية، فيما تمتد الصعوبات المالية إلى فئات مشمولة بالتأمين الصحي، إذ يتخلى 36 في المائة من المؤمن لهم عن العلاج بسبب عدم قدرتهم على تسبيق المصاريف المرتفعة.
وتعكس هذه المعطيات، وفق صاحب التقييم، استمرار الفارق بين الاستفادة من التغطية الصحية من الناحية القانونية وبين القدرة الفعلية على تحمل كلفة العلاج، خصوصاً بالنسبة إلى الفئات التي لا تستطيع تغطية الجزء غير المتكفل به من المصاريف الطبية.
القطاع الخاص ونفقات التأمين
وعلى مستوى توزيع الإنفاق الصحي، رصدت الورقة تفاوتاً كبيراً بين القطاعين العام والخاص، مشيرة إلى أن القطاع الخاص يستحوذ على 91 في المائة من تعويضات التأمين الإجباري عن المرض، مقابل 9 في المائة للقطاع العام.
كما أورد حمضي أن متوسط كلفة الملف الطبي في القطاع الخاص يفوق نظيره في القطاع العام بـ5.6 مرات بالنسبة إلى الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (CNOPS).
ويرى التقرير أن هذه الأرقام تبرز حجم الضغط الذي تمارسه تكاليف العلاج في القطاع الخاص على موارد أنظمة التأمين الصحي، في وقت تستمر فيه الفوارق في الأسعار والكلفة بين القطاعين.
خصاص في الموارد البشرية وتفاوت مجالي
وفي ما يتعلق بالموارد البشرية، قدرت الورقة الخصاص بنحو 30 ألف طبيب وأكثر من 60 ألفاً من باقي مهنيي الصحة، مع استمرار تأثير هجرة الكفاءات الطبية والصحية إلى الخارج.
وبحسب المعطيات التي أوردها حمضي، يغادر أكثر من طبيبين البلاد يومياً، بينما يتركز نحو 75 في المائة من الأطباء في ثلاث جهات فقط من أصل 12 جهة.
ويطرح هذا التوزيع، وفق التقييم، تحدياً إضافياً أمام تحقيق العدالة المجالية في الولوج إلى الخدمات الصحية، بالنظر إلى التفاوت في توزيع الأطباء والأطر الصحية بين مختلف مناطق البلاد.
مقترحات لتقليص كلفة العلاج
وفي مواجهة هذه التحديات، اقترح حمضي اعتماد حزمة وطنية للوقاية، تتضمن التكفل الكامل بفحوصات الكشف المبكر، مع إعفاء المستفيدين من تسبيق المصاريف المرتبطة بهذه الفحوصات.
كما دعا إلى التعميم التدريجي لنظام «الثالث المؤدي» في العلاجات الخارجية، بهدف تقليص العبء المالي المباشر على الأسر، خصوصاً بالنسبة إلى المصابين بأمراض مزمنة يحتاجون إلى متابعة طبية وعلاج منتظم.
ويقترح التقييم خفض النفقات الصحية المباشرة التي تتحملها الأسر إلى أقل من 30 في المائة بحلول سنة 2028، ثم إلى أقل من 25 في المائة في أفق سنة 2030.
ويخلص حمضي إلى أن تقييم مسار إصلاح المنظومة الصحية لا ينبغي أن يقتصر على قياس عدد المستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض، وإنما يتعين أن يشمل مدى قدرتهم الفعلية على الوصول إلى العلاج وتحمل تكلفته.
ويتمثل التحدي، وفق هذا الطرح، في الانتقال من توسيع التغطية الصحية على المستوى الإداري إلى ضمان استفادة فعلية وميسرة من الخدمات الطبية، بالتوازي مع تقليص الفوارق المجالية وتخفيف العبء المالي المباشر عن الأسر








