(قراءة نقدية وسوسيولوجية-تاريخية لحالة حزب العدالة والتنمية في المغرب)
– بقلم : فؤاد بوجبير، باحث في علوم الإدارة (التدبير العمومي و السياسات العمومية).
*المقدمة*
يندرج هذا المقال في إطار
نقد منهجي صريح ومبرر لدراسة روري مكارثي وسليم حميمنات المنشورة في The Middle East Journal. بحيث يؤكد المقال أن هذه الدراسة غير مكتملة من الناحية المنهجية، محدودة، ولا تستند بما فيه الكفاية إلى التاريخ الطويل والسوسيولوجيا العميقة للمجال السياسي المغربي.
فدراسة الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية تظل مهيمنة عليها المقاربة السياسية التي تركز على المتغيرات الظاهرة : المشاركة الانتخابية، الخطاب البرامجي، استراتيجيات التحالف، الأداء الحكومي. وتندرج دراسة روري مكارثي وسليم حميمنات ضمن هذا السياق. إذ توصلت إلى أن حزب العدالة والتنمية دخل مرحلة متقدمة من البراغماتية والنضج الأيديولوجي، تتميز بالابتعاد الدائم عن المرجعية الدينية، مما يوحي ضمنيًا بتدريجية نزوع الحزب نحو “إلغاء الأيديولوجيا”.
لكن هذه الاستنتاجات تقوم على فرضية منهجية مشكوك فيها، إذ يتم ربط تحول الخطاب السياسي بتحول جوهر الأيديولوجيا. وهذه المعادلة، الشائعة في الدراسات المقارنة للعلوم السياسية، تبدو هشة بشكل خاص عند تطبيقها على تنظيمات ذات مرجعية دينية، مبنية تاريخيًا وفق أزمنة طويلة، متقطعة وغالبًا ما تكون غير مرئية للتحاليل المؤسساتية التقليدية.
1 */ المنهجية وأسيرة الزمن السياسي القصير*
أحد أوجه الضعف الرئيسية للدراسة يكمن في اعتمادها المفرط على مرحلة ما بعد 2021. إذ يُفسر الهزيمة الانتخابية الكبيرة لحزب العدالة والتنمية على أنها لحظة انقطاع، أو حتى مؤشر على نفاد الأيديولوجيا. لكن من منظور السوسيولوجيا التاريخية للأيديولوجيات، نادرًا ما تشكل الهزائم الانتخابية انقطاعات أيديولوجية؛ فهي غالبًا لحظات تراجع استراتيجي.
كما أشار فرناند بروديل، فإن التاريخ السياسي لا يختزل في الزمن القصير للأحداث، بل يمتد على المدى الطويل، زمن العقليات، الهياكل الاجتماعية والإرث الرمزي والتاريخي. بتجاهل هذا العمق الزمني، تعتمد الدراسة قراءة تزامنية تخلط بين التكيف التكتيكي والتحول الأيديولوجي.
2 */ المرجعية الإخوانية : أيديولوجيا الصمت والانتظار*
تظهر قصور الدراسة بوضوح أكبر عند إغفال وضع حزب العدالة والتنمية ضمن الجينالوجيا الفكرية والتنظيمية للإخوان المسلمين. إذ لم يُنشأ هذا التيار الذي أسسه حسن البنّا ليكون أيديولوجيته خطابًا دائمًا، بل لتكون تربية اجتماعية تراكمية، قادرة على الانسحاب عند الحاجة.
تاريخيًا، يميز الفكر الإخواني بين زمن الدعوة (التربية، التنشئة، نشر القيم) وزمن السلطة. وهذا التمييز محوري. إذ يعني أن الصمت الأيديولوجي ليس تنازلاً، بل وسيلة للحفاظ. وبالتالي، تفسير الانضباط الخطابي للحزب على أنه خروج عن المرجعية الدينية يعد قراءة حرفية للخطاب، وليس تحليلاً هيكليًا للأيديولوجيا.
3 */ المغرب : أرض ذات خصوصية تاريخية*
تعاني دراسة مكارثي وحميمنات أيضًا من ضعف التوضيع لساحة السياسة المغربية. فالمغرب ليس مصر ولا تونس ولا الأردن. يتميز بتاريخ فريد، يتمثل في مركزية السلطة الدينية للملكية، وتقليد طويل لإدارة التوترات الأيديولوجية بشكل غير مباشر. كما أشار عبد الله العروي، يفضل النظام السياسي المغربي التسويات الضمنية، التعديلات الصامتة والتوازنات المتغيرة. وفي هذا الإطار، لا يتم القضاء على الإسلام السياسي ولا امتصاصه بالكامل؛ بل يتم احتواؤه، مما يسمح له بالاستمرار على المدى الطويل.
الدراسة تعتبر حزب العدالة والتنمية حزبًا “مؤسسًا” على التجربة الحكومية، دون التحقيق بما يكفي في أن هذه المؤسسية ربما تكون مؤسسية شكلية فقط، مفروضة من طبيعة النظام السياسي نفسه.
4 */ البراغماتية والهيمنة : قراءة غرامشية مهملة*
من أوجه القصور النظرية في الدراسة غياب الإشارة لأعمال الهيمنة الثقافية. فقد أظهر أنطونيو غرامشي أن الأيديولوجيات المستمرة لا تسعى دائمًا للصراع المباشر، بل تستثمر في الحس المشترك، الممارسات اليومية، والمعايير الأخلاقية الضمنية. وبهذا المعنى، فإن تركيز حزب العدالة والتنمية على قضايا العدالة الاجتماعية، مكافحة الفساد أو الحوكمة الجيدة لا يعني التخلي عن المرجعية الدينية، بل هو ترجمة علمانية للقيم الأخلاقية العميقة. الأيديولوجيا لا تختفي، بل تتحول لغةً.
5 */ القيادة الكاريزمية كآلية استمرارية*
تتعامل الدراسة مع عودة عبد الإله بن كيران باعتبارها حدثًا ظرفيًا، وربما عاطفيًا. هذا التفسير يقلل من الوظيفة السوسيولوجية للكاريزما في التنظيمات الأيديولوجية. و على هذا المستوى، أوضح ماكس فيبر أن الكاريزما تلعب دورًا حاسمًا في فترات الانتقال، ليس لتغيير الأيديولوجيا، بل للحفاظ على تماسكها الرمزي. فبن كيران يعمل كحارس للمعنى، يمنع تلاشي الأيديولوجيا خلال فترة التراجع السياسي.
6 */ دراسة غير مكتملة بسبب غياب الانغماس السوسيولوجي*
تظل دراسة مكارثي وحميمنات منهجيًا غير مكتملة بسبب نقص واضح في الانغماس السوسيولوجي. إذ تركز على تحليل الخطابات الرسمية، المسارات النخبوية والسياقات الانتخابية المرئية، معتمدة قراءة مؤسساتية هرمية.
لكن حزب ذو مرجعية دينية لا يمكن فهمه عبر مجرد تعبيراته الرسمية؛ استمراريته تقوم على شبكات من الناشطين غير الرسمية، روابط اجتماعية دائمة، وآليات الحفاظ على الأيديولوجيا غير المرئية عادة للتحليل السياسي التقليدي. هذا النهج يؤدي إلى خلط بين التخفيف الخطابي ومحو الأيديولوجيا. فالأيديولوجيا لا تتجلى فقط بالنصوص أو الشعارات، بل تتجسد في الممارسات، الروتين النضالي، الإطارات الأخلاقية المشتركة والذاكرة الجماعية المنظمة. كما أبرز بيير بورديو، يكمن جوهر النظام الرمزي في ما هو متجسد وموروث وليس فقط في ما يُعلن.
أخيرًا، عدم وجود تحقيق نوعي معمق مع القاعدة الحزبية يضعف أي استنتاج عن “إلغاء الأيديولوجيا”. فالأيديولوجيا لا تختفي لأن القمة صامتة، بل عندما تتوقف عن الممارسة والإيمان والنقل على مستوى القاعدة. غياب هذا المستوى من التحليل حول الافتراض إلى استنتاج سابق لأوانه.
*الخاتمة / من أجل إعادة قراءة معمقة لحزب العدالة والتنمية.*
بعيدًا عن أي خروج دائم عن المرجعية الدينية، يمكن تفسير براغماتية الحزب كاستراتيجية “سبات أيديولوجي”، متسقة تاريخيًا مع التقليد الإخواني ومتوافقة هيكليًا مع السياق المغربي.
دراسة مكارثي وحميمنات، رغم دقتها الوصفية، تبقى محدودة منهجيًا بسبب التركيز على المدى القصير، النظرة المؤسساتية، وقلة الاهتمام بالتاريخ الطويل والسوسيولوجيا العميقة للإسلام السياسي المغربي.
لفهم حزب العدالة والتنمية، يجب تجاوز سطح الخطاب واستكشاف الزمن السياسي غير المرئي. فالأيديولوجيات التي تعرف متى تصمت ليست بالضرورة تلك التي تختفي؛ بل غالبًا تلك التي تنتظر.









































