تستعد المقاولات المغربية لمرحلة جديدة من التحول الرقمي في المجال الضريبي، مع توجه المديرية العامة للضرائب نحو اعتماد نظام للفوترة الإلكترونية، يُنتظر أن يعزز شفافية المعاملات التجارية ويحد من الممارسات المرتبطة بالفواتير الصورية والتلاعب في التصريحات الضريبية.
ويثير هذا الورش تساؤلات عديدة لدى أصحاب الشركات والمقاولات الصغرى والمتوسطة بشأن مستقبل الفواتير الورقية، وآليات مراقبة المعاملات، وتأثير النظام المرتقب على الضريبة على الشركات (IS) والضريبة على القيمة المضافة (TVA).
هل اقتربت نهاية الفواتير الوهمية؟
تُعد الفواتير الصورية من الممارسات التي تسعى الإدارة الضريبية إلى محاربتها، خاصة عندما تُستعمل لإثبات مصاريف لا تقابلها عمليات تجارية حقيقية، أو لتضخيم تكاليف الشركات بهدف تخفيض الأرباح الخاضعة للضريبة، أو للمطالبة بخصم مبالغ غير مستحقة من الضريبة على القيمة المضافة.
ومن المنتظر أن يساعد اعتماد نظام إلكتروني منظم على تحسين إمكانية تتبع المعاملات، من خلال ربط بيانات الفواتير بالعمليات التجارية المصرح بها، وتسهيل عمليات المراقبة والمطابقة.
غير أن الانتقال إلى الفوترة الإلكترونية لا يعني القضاء التلقائي على جميع أشكال الغش، كما أن أداء معاملة نقداً لا يجعلها غير قانونية في حد ذاته، ما دامت تحترم القواعد المحاسبية والضريبية المعمول بها.
كيف يمكن أن يعمل النظام الجديد؟
وفق التوجهات المعلنة بشأن مشروع الفوترة الإلكترونية، يرتقب أن يعتمد النظام على إصدار فواتير رقمية منظمة، قابلة للمعالجة والتحقق إلكترونياً.
وقد تقوم العملية، وفق النموذج المرتقب، على الخطوات التالية:
1. إعداد المورد أو الشركة للفاتورة باستخدام نظام معلوماتي متوافق مع المتطلبات التقنية.
2. تضمين البيانات الأساسية المتعلقة بالمورد والزبون والسلع أو الخدمات والمبالغ والضرائب.
3. اعتماد آليات إلكترونية للتحقق من سلامة البيانات وأصالة مصدر الفاتورة، بحسب المواصفات التي ستحددها الإدارة.
4. إرسال المعلومات عبر القنوات الرقمية المعتمدة، وفق الإجراءات التي سيحددها النص التنظيمي.
5. تمكين الإدارة الضريبية من الاستفادة من بيانات أكثر تنظيماً لتسهيل التتبع والمراقبة.
وتظل التفاصيل التقنية النهائية، بما فيها نوع التوقيع الإلكتروني ومسار المصادقة على الفواتير، رهينة بنشر المواصفات الرسمية.
ماذا تقول المدونة العامة للضرائب؟
تنص المادة 145، في فقرتها التاسعة، من المدونة العامة للضرائب على اعتماد نظام معلوماتي للفوترة يستجيب للمعايير التقنية التي تحددها الإدارة، بالنسبة إلى فئات من الملزمين الخاضعين للضريبة على الشركات أو الضريبة على الدخل المهني وفق الأنظمة المعنية أو الضريبة على القيمة المضافة.
غير أن المادة نفسها تحيل تفاصيل التطبيق على نص تنظيمي، وهو ما يجعل التمييز ضرورياً بين وجود الأساس القانوني للإصلاح ودخوله مرحلة التطبيق الإلزامي وفق جدول زمني محدد.
أما قانون المالية لسنة 2026، فقد عزز متطلبات المحاسبة الإلكترونية، دون أن يعني ذلك فرض منصة موحدة للفوترة على جميع المقاولات بشكل فوري.
هل ستختفي الفواتير الورقية؟
لا يمكن الجزم حالياً بتاريخ انتهاء استعمال الفواتير الورقية، إذ يرتبط الأمر بالنظام النهائي الذي سيتم اعتماده، والفئات المهنية المشمولة به، والمراحل الانتقالية المحددة قانوناً.
وفي انتظار صدور التفاصيل التنظيمية، تبقى المقاولات مطالبة باحترام قواعد الفوترة الحالية، بما فيها الترقيم المتسلسل والبيانات الإلزامية والمعلومات الضريبية المطلوبة.
هل توجد غرامات فورية على الفواتير خارج المنصة؟
لا تتضمن المعطيات القانونية المتحقق منها حتى الآن إعلاناً عن غرامة فورية خاصة بكل فاتورة تصدر خارج منصة الفوترة الإلكترونية المرتقبة.
لكن هذا لا يلغي العقوبات الضريبية الموجودة أصلاً بشأن المخالفات المحاسبية أو الفواتير غير القانونية، والتي تخضع للشروط والإجراءات المنصوص عليها في التشريع الجاري به العمل.
ماذا ينبغي على الشركات فعله الآن؟
ينصح الخبراء المقاولات بالاستعداد لهذا التحول عبر تحديث برامج المحاسبة والفوترة، وضمان صحة بيانات الموردين والزبناء، وحفظ الوثائق المحاسبية بصورة منظمة، والتنسيق مع المحاسبين والمستشارين الضريبيين.
كما ينبغي متابعة البلاغات الرسمية للمديرية العامة للضرائب والنصوص المنشورة في الجريدة الرسمية لمعرفة تاريخ دخول الإجراءات الجديدة حيز التنفيذ.
وبين محاربة الغش الضريبي وتسريع رقمنة المعاملات، تبدو الفوترة الإلكترونية أحد الأوراش التي قد تغير طريقة اشتغال المقاولات المغربية، لكن نجاح الانتقال سيظل مرتبطاً بوضوح القواعد التقنية والقانونية وتوفير فترة ملائمة للتأقلم.








