عاشت فاس، العاصمة العلمية للمغرب وواحدة من أقدم الحواضر الإسلامية في العالم، ليلة ثقيلة على وقع الخوف، حين انهارت بنايتان في ساعات متأخرة من الاثنين/الثلاثاء 06 يناير 2026، ضمن المباني المصنفة آيلة للسقوط، الأولى بدرب الداودي بحي الرميلة داخل المدينة العتيقة، والثانية بحي عين الدريسي بمقاطعة جنان الورد. وبينما أسهمت قرارات الإفراغ المسبقة التي اتخذتها السلطات في تجنيب المدينة فاجعة بشرية جديدة، لم يمرّ الحادث دون ندوب، إذ أُصيبت سيدة بجروح متفاوتة الخطورة نُقلت إلى المستشفى الجهوي الغساني، فيما تعرّضت بناية مجاورة لانهيار ثانٍ لأضرار مادية استدعت إخضاعها لخبرة تقنية عاجلة.
ورغم محدودية الخسائر هذه المرة، أعاد الحادث طرح الأسئلة نفسها التي تُثقل كاهل المدينة منذ سنوات: ماذا بعد التصنيف والإفراغ؟ وهل تكفي الإجراءات الحالية لوقف نزيف الانهيارات داخل نسيج عمراني يئنّ تحت وطأة الزمن والرطوبة والإهمال؟
لم تكن ذاكرة فاس قد تعافت بعد من صدمة ديسمبر 2025، حين انهارت بنايتان متجاورتان بحي المسيرة ليلة 09 دجنبر، كل واحدة من أربعة طوابق وتقطنهما ثماني أسر، في نحو الساعة الحادية عشرة ليلاً، لتسجّل المدينة واحدة من أكثر الحوادث مأساوية في تاريخها الحديث: 19 قتيلاً و16 جريحاً. يومها، امتزج الغبار بالدموع، وارتفع النقاش إلى أعلى مستويات المسؤولية، لكنّ الأسئلة الكبرى بقيت معلقة، وسط سباق بين خطط الترميم المحدودة وواقع أحياء كاملة ما زالت خارج مظلة التدخل العاجل.
وتتوزّع فاس بين وجهين: مدينة حديثة تتوسع بوتيرة سريعة، ومدينة قديمة داخل الأسوار، تُصنّف تراثًا عالميًا، لكنها في الوقت نفسه تُصنّف خطراً إنسانياً متنامياً. فالمباني التي شُيّدت قبل قرون، والتي صمدت أمام الحروب والزلازل وتقلّبات الدول، لم تعد اليوم تواجه المدافع، بل تواجه التصدّعات الخفية، وتساقط الأحجار، والأسقف المثقلة بالرطوبة، وتراجع الصيانة الدورية، إلى جانب الضغط السكاني داخل فضاءات ضيقة يصعب فيها الإخلاء الكامل وإعادة البناء دون حلول بديلة للإيواء.
وعلى مدى السنوات الأخيرة، حاولت السلطات إطلاق برامج لمعالجة المباني المهددة، لكنّ الواقع يؤكد أن حجم التحدي أكبر من التدخلات المتفرقة، فكل فصل شتاء يحوّل بعض الدروب والأزقة إلى نقاط توتر قصوى، حيث يصبح أي تصدّع مرشحاً للانهيار، وأي بناية مفرغة مؤقتاً مرشحة للعودة إلى دائرة الخطر إن لم تُدعّم أو تُرمّم في الوقت المناسب.
ما تحتاجه فاس اليوم ليس فقط خطط إنقاذ ظرفية، بل منظومة تدبير عمراني وقائي، تشمل: تحديث قواعد تصنيف المباني، تعزيز الخبرات الهندسية الميدانية، تسريع عمليات الترميم، وتوسيع نطاق المراقبة التقنية المستمرة، إلى جانب وضع خارطة طريق دقيقة توازن بين حماية الأرواح والحفاظ على طابع المدينة دون السقوط في فخ “التجميل التراثي” على حساب السلامة.
في فاس، لا ينهار الحجر وحده… بل ينهار شعور بالأمان ظلّ لعقود يُعتبَر بديهياً. وكل حادث جديد، مهما كانت حصيلته، يؤكد أن المعركة الحقيقية ليست مع التاريخ، بل مع الخطر الذي يختبئ بين جدرانه.









































